صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

توريث المقاعد والترحال السياسي: عندما تُفرَغ التمثيلية البرلمانية من جوهرها الأخلاقي

معاريف بريس – أخبار وطنية

 

تشكل الظواهر السياسيّة الطارئة على المشهد الحزبي مادة دسمة للتحليل العميق، خاصة عندما تمسّ جوهر العملية الديمقراطية ونجاعة العمل التشريعي. وفي هذا السياق، يُطرح موضوع “توريث المقاعد البرلمانية” كظاهرة مزدوجة الأبعاد، تخضع لتقييم متباين يتوقف بالأساس على مدى الالتزام بالقيم والمبادئ الحزبية الأصيلة.

إن الانتقال الجيلي داخل الأحزاب السياسية ليس عيباً بحد ذاته إذا كان قائماً على التنشئة السياسية الحقيقية؛ فعندما يتربى الأبناء داخل مدرسة حزبية ذات جذور فكرية وثوابت واضحة، ويسيرون على خطى التزام تنظيمي ورسالة وطنية لم تتغير مبادؤها ولم تتلاعب بها المصلحية، فإن ذلك غالباً ما يعطي ثماراً إيجابية تزود المؤسسة التشريعية بنخب تشربت الثقافة السياسية والمسؤولية الوطنية. غير أن الأزمة الحقيقية تتبدى جلياً عندما يتحول هذا الانتقال من تتابع فكري وتنشئة تنظيمية إلى مجرد استحواذ عائلي وهندسة للتموقع، بغرض المحافظة على النفوذ والمصالح الضيقة بعيداً عن جوهر الخدمة العامة.

وتتضاعف خطورة هذه الظاهرة حين تقترن بالترحال السياسي والقفز عبر نوافذ الأحزاب بحثاً عن التزكيات الانتخابية؛ حيث أضحت المبادئ والمواقف سريعة التبخر، وأصبح التنقل بين الإطارات السياسية محكوماً بأهواء اللحظة والحسابات الضيقة. هذا التحول الهجين يضرب الاستقرار التنظيمي في مقتل، ويفضي بالضرورة إلى بلقنة المشهد السياسي وتشتيته لصالح تكتلات مصلحية عابرة، مع ما يرافق ذلك من غياب تام للأخلاق السياسية وتراجع الصدق في التعاقد مع الناخبين.

إن النتيجة الحتمية لهذه الاختلالات هي تبخيس العمل التشريعي وإضعاف المردودية البرلمانية، لاسيما عندما ينفسح المجال لتغول المال غير المشروع وتوزيعه في الحملات الانتخابية لتعويض غياب التأطير الحزبي والشرعية النضالية. وعندما يغدو المال والجاه هما المعيار الأبرز لتبوؤ المقاعد، تصبح التمثيلية النيابية صورة هشة ومقلقة تعكس تراجع الدور المنوط بالمؤسسة البرلمانية، مما يستوجب وقفة مراجعة حازمة للقطع مع الانتهازية، والعودة بالعمل الحزبي إلى سكة التنشئة السليمة والالتزام الأخلاقي الذي يعيد للعمل السياسي اعتباره وهيبته.

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads