صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

هل باعت مدريد المعارض الجزائري عيسيو مقابل الغاز؟

معاريف بريس – اخبار دولية

 

أثار اعتقال رجل الأعمال والإعلامي الجزائري أيوب عيسيو في مطار برشلونة الدولي هزّة سياسية وحقوقية تجاوزت حدود القضاء لتصل إلى دهاليز الدبلوماسية العابرة للمتوسط.

هذا التوقيف المفاجئ فتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات حارقة حول ما إذا كانت مدريد قد خضعت لـ “دبلوماسية الأنابيب” ومقايضة ملفات المعارضين بضمان تدفق الغاز الجزائري.

صعود من رحم الثروة والإعلام

بدأت مسيرة أيوب عيسيو في كواليس المال والأعمال بالجزائر، حيث صعد نجمه كملياردير شاب يدير مشاريع ضخمة ومتنوعة شملت قطاعات الاستيراد والعقارات والحديد وإنتاج الحليب.

مهد هذا النفوذ المالي الكبير الطريق له لاحقاً لدخول معترك التأثير العام وصناعة القرار من أوسع أبوابه السياسية والإعلامية المتاحة.

في عام 2012، قرر عيسيو اقتحام المشهد الإعلامي بقوة عبر تمويل وإطلاق قناة “الجزائرية وان”، والتي تحولت سريعاً إلى منبر تلفزيوني بارز يمتلك قدرة توجيهية هامة في صياغة مواقف الرأي العام المحلي، وبناء جدار حماية إعلامي حول مصالحه وشبكة علاقاته النافذة مع رجالات الحكم في تلك الحقبة.

وعلى الصعيد الإقليمي، واجهت القناة اتهامات حادة بتبني خط تحريري يهاجم المغرب بصورة ممنهجة، ويدعم الطروحات الرسمية للجزائر في قضايا المنطقة الحساسة كملف الصحراء. ويرى مراقبون أن هذا التوجه الإعلامي العنيف كان يعكس رغبة عيسيو في التناغم التام مع الأجندة الأمنية والسياسية للسلطات الحاكمة، لضمان حماية إمبراطورية المال الخاصة به.

من عباءة المال إلى جلباب المعارضة

انقلبت حياة عيسيو رأساً على عقب إثر الحراك الشعبي عام 2019، حيث اختار مغادرة البلاد نحو فرنسا طالباً الحماية الدولية واللجوء السياسي.

هناك، خلع عباءة رجل الأعمال المهادن ليرتدي جلباب المعارض الشرس، مسخراً منصاته الرقمية وشبكاته الإعلامية لتوجيه انتقادات حادة ومباشرة لرموز السلطة الجزائرية الحالية وسياساتها الاقتصادية.

يعتبر فريقه القانوني ولجان التضامن معه أن هذا النشاط الإعلامي المعارض هو السبب الحقيقي الكامن وراء ملاحقته دولياً ومحاصرته في العواصم الأوروبية.

ويؤكد الدفاع أن قضيته سياسية بحتة، وأن التهم الاقتصادية الموجهة إليه ليست سوى ذريعة واهية لتصفية الحسابات معه وإسكات صوته المنتقد لرموز النظام الحاكم في البلاد.

في المقابل، تتهمه تقارير إعلامية وسلطات بلاده بعدم الاكتفاء بالمعارضة التلفزيونية والافتراضية، بل بتجاوز ذلك إلى التمويل المباشر لشبكات من الناشطين والتحريض في الخارج. وتعتبر الرواية الرسمية أن هذا النشاط يهدف لزعزعة الاستقرار الداخلي، وهو محاولة للضغط على الدولة وابتزازها لوقف الملاحقات القضائية المفتوحة ضده وضد عائلته.

رواية الفساد ومطاردة الأموال المنهوبة

تتبنى السلطات الجزائرية موقفاً صارماً يرفض تماماً إضفاء أي طابع سياسي أو حقوقي على ملف عيسيو في المحافل الدولية. وتؤكد الدبلوماسية والقضاء الجزائري أن الأمر يتعلق بملف جنائي واقتصادي بحت، يقع ضمن الجهود الرسمية المستمرة لاسترجاع الأموال المنهوبة ومحاسبة رموز الحقبة السياسية السابقة الذين أثروا بطرق غير مشروعة.

ويستند القضاء في مذكرات التوقيف الدولية إلى أحكام غيابية ثقيلة صدرت بحق عيسيو تصل إلى السجن عشرين عاماً نافذة مع النفاذ العاجل. وتتضمن لائحة الاتهام قضايا فساد مالي جسيمة، وتبييض أموال، وتحويل غير مشروع للنقد الأجنبي، والحصول على قروض بنكية ضخمة دون استكمال المشاريع السكنية والصناعية المرتبطة بها.

وتشدد الجزائر في طلبها الموجه لمدريد على أن عيسيو مجرد فار من العدالة، وأن توقيفه يندرج ضمن الاتفاقيات الأمنية الدولية لمكافحة الجريمة المنظمة.

وترى السلطات أن محاولة تصوير المتهم كمعارض سياسي هي مناورة قانونية مكشوفة من فريقه القانوني للهروب من العقاب المترتب على نهب وتبديد المال العام.

مقايضة المبادئ بأنابيب الطاقة

وضعت هذه القضية السلطات الإسبانية في موقف ديبلوماسي وحقوقي بالغ الحرج والتعقيد أمام الرأي العام والمنظمات الدولية. فمن جهة، تخضع مدريد لالتزامات صارمة بالقوانين والاتفاقيات الأوروبية لحقوق الإنسان، والتي تمنع بشكل قاطع تسليم أي مطلوب يواجه مخاطر حقيقية بالتعرض للتعذيب أو المحاكمة غير العادلة في بلاده.

ومن جهة أخرى، تواجه إسبانيا ضغوطاً برغماتية هائلة لضمان أمنها الطاقي، حيث تمثل الجزائر المورد الرئيسي والحيوي للغاز الطبيعي نحو أسواقها المحلية. ويرى محللون سياسيون أن مدريد قد تضطر لتليين مواقفها القانونية، وتقديم تنازلات في ملف المطلوبين الأمنيين للحفاظ على استقرار إمدادات الطاقة الحيوية وأسعارها التفضيلية المستقرة.

لذلك، يرى منتقدو الخطوة الإسبانية أن اعتقال عيسيو في مطار برشلونة يحمل مؤشرات قوية على وجود تفاهمات سرية تحت الطاولة بين البلدين.

وتصنف لجان حقوقية هذا الإجراء كصفقة سياسية اقتصادية، تم بموجبها تقديم رأس المعارض الجزائري كعربون ثقة لتعزيز العلاقات الدبلوماسية المأزومة وضمان مصالح الطاقة المشتركة العابرة للحدود.

في انتظار الكلمة الفصل

يقبع أيوب عيسيو حالياً خلف القضبان في السجون الإسبانية، بعد أن رفضت المحكمة ببرشلونة منحه السراح المؤقت مخافة فراره مستخدماً جواز سفره الليبيري. ويعكف القضاء الإسباني الآن على دراسة ملف التسليم المقدم من الجزائر بعناية فائقة، لموازنة الأدلة الجنائية المقدمة ضد المتهم مع الضمانات الحقوقية والإنسانية الدولية المطلوبة.

ستكون الأيام القادمة حاسمة في تحديد مصير هذا الملياردير الإعلامي، وسط ترقب شديد من المنظمات الحقوقية ومجتمع الناشطين في أوروبا. فقرار تسليمه أو الإفراج عنه سيمثل مؤشراً حقيقياً على مدى قدرة القيم الحقوقية الأوروبية الصمود أمام إغراءات المصالح الاقتصادية وضغوط أزمة أنابيب الغاز المشتعلة بين ضفتي المتوسط.

وفي نهاية المطاف، يبقى ملف عيسيو نموذجاً حياً وشاهداً على التداخل المعقد بين المال والسياسة وحقوق الإنسان في العلاقات الدولية الراهنة. وتظل القضية معلقة بين رواية رسمية تنشد العدالة ومكافحة الفساد، ورواية دفاع تصر على وجود تصفية حسابات سياسية غُلفت في ثوب صفقة طاقية واقتصادية شائكة ومثيرة للجدل.

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads