معاريف بريس- آراء ومواقف
تظل الخطب الملكية للملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله مرجعاً سياسياً وتاريخياً يختزل مرحلة مفصلية من تاريخ المغرب الحديث. ولم تكن قبة البرلمان مجرد منصة بروتوكولية لافتتاح الدورات التشريعية، بل كانت فضاءً أطلق فيه مهندس السياسة المغربية مفاهيم دولة المؤسسات، ورسخ عبره أركان الخيار الديمقراطي في أحلك الظروف وأشدها تعقيداً.
في إحدى محطاته البارزة أمام نواب الأمة، أعلن الملك الراحل الحسن الثاني صراحة وبكل وضوح عن اعتزازه بالممارسة الديمقراطية الناشئة في المغرب، مؤكداً أن التقييم الموضوعي للعمل المؤسساتي -رغم ما يتخلله من تجاذبات وصعوبات- يرجح كفة الإيجابيات ويثبت أن البلاد تسير بخطى ثابته نحو بناء نموذج سياسي فريد.
لم يكن ذلك الاعتزاز مجرد ثناء عابر، بل كان إعلاناً سياسياً حازماً بأن الدولة المغربية اختارت طريق الممارسة الديمقراطية ودولة القانون كخيار استراتيجي لا رجعة عنه. فقد حرص الحسن الثاني على غرس تقاليد السيادة للقانون، متجهاً في مناسبات عدة إلى إرساء قواعد ومبادئ تساوي الجميع أمام القضاء والمؤسسات، ومشدداً على أن بقاء الدولة وقوتها يستندان إلى احترام المؤسسات وهيبتها.
إن القراءة الفاحصة للخطب التاريخية الموجهة للبرلمان تكشف عن فلسفة عميقة في إدارة التوازنات؛ إذ نجح الملك الراحل في الجمع بين صيانة ثوابت الأمة والحفاظ على الاستقرار، وبين فتح المجال للممارسة النيابية والعمل الحزبي وتطوير التشريع.
واليوم، وأنت تستحضر تلك الرسائل العميقة، يتضح جلياً كيف أسست تلك اللحظات التاريخية للمسار الدستوري والمؤسساتي الذي يواصل المغرب تطويره بثبات. لقد كانت الخطب الملكية تحت قبة البرلمان، وما تزال، دروساً في الفكر السياسي ومرجعاً يستمد منه الفاعل السياسي والبرلماني العبر للنهوض بالمسؤولية الوطنية وجعل المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار.
معاريف بريسHtpps://maarifpress.com