معاريف بريس – أخبار وطنية
في الذاكرة الجمعية للشعوب، لا تأتي التحولات الكبرى وليدة الصدفة، بل هي امتداد لخطوط تراكمية تتداخل فيها الخيبات الاجتماعية بالانسدادات السياسية. وإذا كان “حراك الريف” في 2016 قد مثل أرقى صور الاحتجاج الميداني المطالب بالكرامة والعدالة الاجتماعية والنهوض الاقتصادي بالمناطق المهمشة، فإن ما شهدته الشواطئ الشمالية، وتحديداً عبر محاولات الهجرة الجماعية سباحة نحو مدينة سبتة، يمثل الوجه الآخر للعملة نفسها: احتجاج بالهروب والصمت، بدلاً من التظاهر والصراخ.
فعندما خرجت الجماهير في شوارع الحسيمة والنواحي عقب الفاجعة المؤلمة للشهيد محسن فكري، رفعت شعارات تطالب بمستشفيات تلبي أدنى المبادئ الإنسانية، وجامعة تستوعب طاقات الشباب، وفرص شغل تحفظ كرامة الإنسان وتنهي التهميش التنموي. غير أن المسار الذي آلت إليه الأحداث، من اعتقالات واسعة طالت القادة الميدانيين وعلى رأسهم ناصر الزفزافي والعديد من النشطاء، وتراجع هامش الوساطة السياسية والحوار المدني، ولّد لدى شريحة واسعة من الشباب قناعة مفادها أن أبواب التغيير من الداخل قد أُغلقت. وهكذا، تحولت الطاقة الاحتجاجية التي كانت تعبر عن نفسها بالمسيرات والشعارات، إلى نزوح جماعي وهروب نحو الفردوس الأوروبي المفترض.
ولم تكن محاولات العبور الجماعي سباحة نحو سبتة مجرد مغامرة فردية لشباب يبحث عن تحسين ظروفه، بل كانت بمثابة استفتاء اجتماعي ميداني صدم الرأي العام الوطني والدولي. حيث تدفق آلاف الشباب والقاصرين عبر المعابر الشريطية، مشكلين مشهداً يختزل حجم الأزمة المعيشية وفقدان الأمل لدى أجيال العاطلين عن العمل أو من هم خارج منظومة التعليم والتدريب. وأثارت المشاهد المتداولة لشباب يقفزون في عرض البحر وسط أمواج عاتية وضباب كثيف تساؤلات قاسية لدى المنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام الدولية حول نجاعة المقاربات التنموية ومصير استراتيجيات إدماج الشباب.
وخلف الأرقام والبيانات السياسية والإعلامية، تقبع مأساة إنسانية صامتة تتمثل في العشرات من الضحايا والمفقودين الذين ابتلعهم البحر أثناء محاولات العبور. وتتجلى الخطورة الحقوقية والأخلاقية لهذه الفاجعة في الأسئلة العالقة التي تؤرق عائلات الضحايا، حيث تتواصل مطالب الجمعيات الحقوقية بضرورة إجراء تحقيقات شفافة ومستقلة لتحديد الهويات ومعرفة الظروف الدقيقة لوفاة الشباب، بينما تعيش عشرات الأسر على وقع حداد مفتوح، بين عدم القدرة على استلام جثامين أبنائها للدفن وغياب البلاغات الرسمية الحاسمة التي تؤكد أو تنفي المصير، مما يدخل ذويهم في دوامة من العذاب النفسي والقانوني، وتساؤلات لا تتوقف حول ما إذا كان قد تم تسليم الجثث لذويها أم لا.
إن الربط بين حراك الريف وموجات الهجرة الجماعية يفرض على صناع القرار والقوى الحية الانتقال من المقاربات الأمنية والضبطية ذات الأثر اللحظي، إلى مقاربة شمولية ومستدامة تستحضر إعادة الاعتبار للحوار الاجتماعي، وتجاوز المقاربة الأمنية الصرفة، ومراجعة الملفات الحقوقية والقضائية لإعادة بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات الوطنية. كما يتطلب الأمر إعادة توزيع الثروة والفرص بتوجيه الاستثمارات بشكل متوازن ينصف المناطق الشمالية والهامشية، مع إبداء أعلى درجات الشفافية والمسؤولية في التعاطي مع ملف المفقودين والجثامين لتضميد جراح العائلات المكلومة والتأسيس لمرحلة جديدة أساسها دولة الحق والقانون؛ فالهجرة سباحة نحو الحدود ليست سوى صرخة صامتة تشبه في عمقها صرخات ساحات الاحتجاج، وكلاهما يبحث عن معنى واحد: حق الإنسان في الحياة والكرامة داخل وطنه.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com