صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

الاستدراج ومستنقع السياسة: أين مات ضمير الصحافة؟

معاريف بريس – اخبار وطنية

 

 

بين استدراج صحافي من قِبل زميل له من قلب العاصمة الرباط إلى حانة بحي أكدال، ووضع غلاف مالي له في “علبة القفازات” (Boîte à gants)، وبين استدراج آخر من طرف وسيط يعمل موظفاً بديوان وزير سابق.. تتجسد مفارقة صارخة تفضح واقعنا؛ ففي الوقت الذي أفلت فيه “الوسيط الصحافي” من المحاسبة، قضت المحكمة في حق الصحافي المستدرج بأربعة أشهر حبساً نافذاً.

الحبيب المالكي
الحبيب المالكي

 

هذه الحالات المتناقضة لا تسلط الضوء على اختلالات فردية فحسب، بل تضع “الضمير الإعلامي” بأكمله في قفص الاتهام، وتسائل واقعاً مهنياً مستنقعاً لم يسبق لصحافيي جيل الثمانينيات والتسعينيات أن عاشوا مثيلاً لبشاعته أو انحطاطه.

في تسعينيات القرن الماضي، وإبان أوج حملة التطهير التي استهدفت شبكات المخدرات بالشمال المغربي، أسسنا جريدة “الخضراء السياسية”. كانت الحملة حينها لا تستثني أحداً، لا برلمانيين ولا مستشارين. وفي خضم تلك العواصف، تعرضنا لإغراءات مالية تقدر بالملايين السنتيمات ، وأحياناً خيالية، لكن شعارنا كان راسخاً: “لا نقبل بالهدايا القاتلة”. كنا نرفض حتى ارتشاف كوب قهوة مع أي من المشتبه بهم، إيماناً منا بقدسية المسافة بين الصحافي وموضوع استقصائه.

راشيد الطالبي العلمي
راشيد الطالبي العلمي

 

كان ثمن تلك النزاهة باهظاً؛ إذ تعرضنا لعملية اختطاف هوليودية انطلقت من شارع “باستور” وامتدت إلى حدود طريق الرباط بمحاذاة “سات فيلاج”.

ذقنا هناك صنوف الضرب المميت، وبلغ الأمر بأحد المعتدين حد الاستعداد لذبحنا من الوريد إلى الوريد، لولا ألطاف الله التي أوقعت خصاماً مفاجئاً بين الجناة. اغتنمنت تلك الثغرة للفرار في جنح ظلام لم يكن يقطعه سوى نباح الكلاب. مشينا حفاة تتبعاً لأضواء الشارع بعد سقوطنا في حفرة وسط أمطار غزيرة طمست آثارنا وصعبت على المعتدين تعقبنا.

كمال هشومي
كمال هشومي ( رئيس ديروان الخبيب المالكي) سابقا

 

وبعد أن ابتلع الوحل والطين حذائي، وجدت نفسي على قارعة الطريق، حيث أقلتني سيارة أجرة من الصنف الكبير بصعوبة إلى فندق “مندز” المقابل للميناء، الذي حصدته الحرارات بعد اعادة تهيئة ساحل طنجة.

فتيحة سداس
فتيحة سداس( نائبة برلمانية)سابقا

 

ورغم نصيحة السائق بالتوجه فوراً إلى مخفر الشرطة، أرجأت الأمر للصباح، حيث رويت تفاصيل المأساة وسجلت شكاية ضد مجهول. ومع ذلك، لم تنتهِ فصول المحنة؛ إذ حاول برلماني سابق في ذلك الزمان استغلال الموقف، مطالباً إياي بالعودة إلى الشرطة وتوريط زميل صحافي يشتغل بطنجة زوراً. ورغم كل الإغراءات والوساطات، كان الرفض القاطع هو جوابنا.

أما اليوم، وفي زمن تضرب فيه المؤسسة التشريعية، في عهد راشيد الطالبي العلمي والكاتب العام، أرقاماً قياسية في مستنقع الفساد، لم يعد مستغرباً أن نعيش محطات متتالية من الاستدراج، ونسج المؤامرات، والاستهداف الرخيص للصحافيين.

ولعل ما تعرض له مدير نشر “معاريف بريس” هو خير دليل على هذه المنهجية الخبيثة. فقد حِيكت محاولة استدراج دنيئة قادها موظف اتحادي، وبرلمانية اتحادية سابقة، وموظف سابق بديوان الحبيب المالكي، حيث حاولوا استدراجنا إلى مطعم “إسباني” قبالة البرلمان للتفاوض، لكنني أوصدنا الباب في وجوههم ورفضنا قطعاً ترك أي مساحة للإغراء

في الجلسة كانت تقول البرلمانية سابقا (ف.س) ، لزميلها الاتحادي الموظف انذاك بديوان الحبيب المالكي(ك.ه) ، الذي يرشحه ادريس لشكر لمنصب كاتب عام لاستمرار الفساد الاتحادي الإداري، كل (الحوت تيعجبك)، وكان بجوارنا اتحادي أشقر موالي للكاتب العام ينتظر الخلاص،

لكن الحوت الذي كان أمامهم قرش مفترس، فعادا من حيث أتيا إلى المكتب بالديوان ليخبروا رئيسهم وكاتبهم العام ان الصفقة خسرت، وهو ما دفع بالكاتب العام بأمر من الرئيس والشبكة الاتحادية رفع دعوى قضائية في شكايتين مباشرتين الشكاية والشكاية التعديلية، لكن المحكمة استئنافيا.كونت قناعة ان مانشر من فساد، وتبديد ممتلكات البرلمان من زرابي، ولوحات زيتية لا يمكن لاحد ان يجادل في ما نشر.

وتكرر المشهد ذاته مع موظفين بديوان حكيم بنشماش، رئيس مجلس المستشارين الأسبق، والذين كانوا مصحوبين بموظف “القبعة الحمراء”. لكن يقظتنا أحبطت خطتهم؛ إذ تعمدت إجلاسهم أمام كاميرات المراقبة بمقهى محطة الرباط المدينة، لأخرج من كمينهم سالماً وبشرف مهني لا يُباع ولا يُشترى.

إن الصحافة الحقيقية ليست وليدة الصدفة، وتاريخنا يشهد على خوضنا في أعقد الملفات دون أن تتلطخ أيدينا بوحل الابتزاز. قضايا كبرى فجرناها، مثل شبكة الموثقين بالرباط، والتي نشرها آنذاك الراحل الأستاذ محمد الأشهب خلال فترة إشتغاله  لجريدة “المساء”، أو قضية ابنة الوكيل العام الراحل حسن العوفي.

اشتغلنا على هذه القضايا الحارقة وغيرها، ولم نقترب يوماً من خطيئة الابتزاز، ولم نصطدم بشكل ميليشياوي مع المجرمين، سواء كانوا رجال مال وأعمال، أو برلمانيين، أو موظفين كباراً.

الصحافة موقف قبل أن تكون مهنة، ومن لم يستطع الحفاظ على قلمه نظيفاً من أموال “علب القفازات” ومقاهي الاستدراج، فليبحث له عن مكان آخر خارج بلاط صاحبة الجلالة.

 

أبو ميسون

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads