معاريف بريس – أخبار وطنية
على مدى قرون طويلة، ظل الفخار المزين بـ “القطران” جزءاً لا يتجزأ من الهوية اليومية للمغاربة؛ فلا تكاد تخلو دار مغربية من “قُلّة” أو “خابية” طُليت حوافيها بهذه المادة ذات الرائحة النفاذة والمميزة، حيث تناقلت الأجيال عبر التاريخ اعتقاداً شعبياً راسخاً يفيد بأن القطران هو “قاتل طبيعي للميكروبات” ومصَفٍّ سحري للمياه.
لكن هذا الموروث الذي عاش ومات عليه الأجداد بات اليوم أمام منعطف حاسم، بعد أن أصدرت كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني دورية رسمية صارمة، تحت رقم 1543 وبإمضاء كاتب الدولة لحسن السعدي، تقضي بالمنع البات لاستعمال مادة القطران في إنتاج الأواني الفخارية المخصصة للاستعمال الغذائي، واضعة سلامة المستهلك فوق كل اعتبار تراثي أو عاطفي.
هذا القرار الإداري الحازم لم يكن وليد إجراءات روتينية، بل استند بالأساس إلى نتائج تحاليل مخبرية دقيقة أجريت من طرف مختبرات مختصة على عينات من هذا الفخار التقليدي، وجاءت لتصدم العقيدة الشعبية السائدة؛ حيث أظهرت التحاليل احتواء هذه العينات على نسب مرتفعة وخطيرة من عناصر كيميائية شديدة السُمية تتسرب صامتة إلى أجسادنا مع كل رشفة ماء، وعلى رأسها الزرنيخ، وهي مادة مسرطنة تفوق خطورتها أي ميكروب وتسبب تسممات حادة وتدمر الكبد والكلى، بالإضافة إلى الألمنيوم والكوبالت اللذين يسببان اضطرابات في الجهاز العصبي المركزي ومشاكل في الغدة الدرقية والقلب، مما يعني أن المادة التي استُعملت لسنوات بحجة “التعقيم وحماية الصحة” كانت في الواقع مصدراً غير مرئي لتراكم المعادن الثقيلة السامة في الجسم.
إن ربط هذا القرار بالعمق التاريخي لـ “القطران” يوضح حجم التحدي الذي يواجه المسؤولين والحرفيين على حد سواء، فالأمر لا يتعلق فقط بمنع مادة أولية، بل بتغيير ثقافة استهلاكية وعقلية إنتاجية عمرها مئات السنين، وهو ما دفع الوزارة إلى توجيه غرف الصناعة التقليدية والمديريات الإقليمية نحو إطلاق حملات تحسيسية مكثفة للنزول إلى الميدان ومواجهة الصنّاع بالحقائق العلمية الدامغة لتفكيك فكرة “قاتل الميكروبات”، وحثهم على الانتقال الفوري نحو طلاءات وبدائل عصرية وآمنة تحترم المعايير الصحية الوطنية والدولية، خاصة وأن السلامة الصحية أصبحت اليوم التأشيرة الأولى للمرور نحو الأسواق العالمية وتحصين سمعة الصادرات الحرفية المغربية التي لا تتساهل مطلقاً مع وجود هذه المواد السامة في أواني الطبخ والشرب.
وفي النهاية، يسدل هذا القرار الستار على حقبة طويلة من التعامل العفوي مع القطران في المطبخ المغربي، مبرزاً أن نجاح هذا التحول التاريخي يتطلب وعياً جماعياً من المستهلك الذي يجب أن يتخلى عن طلب “الفخار المقطر”، ومن الصانع التقليدي الذي يتعين عليه تطوير حرفته بما يضمن استمرار أصالتها ولكن بكثير من الأمان الصحي، ليثبت الفخار المغربي قدرته على مواكبة العصر كرمز للأصالة والصحة معاً.
ليبقى في النهاية إملاءات خارجية، لضرب المزيد من ما تبقى من الصانع المغربي الذي لا حوّل له ولا قوة مع حكومة تنفذ إجراءات دولية، دون ان يكون لها جواب عن حصيلة المواطنين الذين أصيبوا بهذه المادة.
معاريف بريس http://Htpps://maarifpresss.