صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

التدقيق الأوروبي يهدد نجل الجواهري ويزلزل عرش والده في بنك المغرب

معاريف بريس – تحليل اقتصادي

 

تمكنت منصة “هوامش”، في إطار المشروع الاستقصائي الدولي «أوبن لوكس» بتنسيق من مؤسسة OCCRP وصحيفة Le Monde، من إماطة اللثام عن وثائق مالية وسجلات تجارية حصرية تكشف الستار عن هياكل مالية عابرة للحدود تابعة لمهدي الجواهري، نجل عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب والشخصية الأبرز والمؤتمن الأول على ضبط السياسة النقدية ومراقبة الصرف ومكافحة تهريب الأموال في المملكة.

هذا الارتباط العائلي والمؤسساتي يضع القضية في قلب مفارقة أخلاقية وحادة؛ فبينما يفرض الأب قيوداً صارمة وتشديداً رقابياً على حركة رؤوس الأموال للمواطنين والشركات داخل المغرب لحماية العملة والاقتصاد الوطني، يظهر الابن في التسريبات وهو يدير شبكة من الكيانات المالية المعقدة في لوكسمبورغ — التي تُعد تاريخياً ملاذاً ضريبياً يوفر هندسة مالية مرنة — مما يضع مصداقية الخطاب المالي الرسمي على المحك ويثير تساؤلات جوهرية حول كيفية خروج هذه الأموال وتدفقها خارج دورة الاقتصاد الوطني.

وتكشف الوثائق مراجعةً للسجل التجاري اللوكسمبورغي تغطي الفترة بين 2020 و2025، حيث يرتبط اسم مهدي الجواهري بشركتين تحملان اسمين متشابهين بشكل لافت، وهما ⁠BELERE S.A⁠ بالرقم الإداري RCS B240862 وتأسست عام 2020، وشركة ⁠BELERE International Investments Luxembourg SCS⁠ بالرقم الإداري RCS B264704 وتأسست في فبراير 2022. ورغم الانفصال الظاهري للكيانين، فإن التدقيق القانوني يوضح أن الشركة الأولى قامت بتعديل نظامها الأساسي في دجنبر 2021 لتوسيع غرضها الاجتماعي والعمل كـ “شريك متضامن ومدير وحيد” للشركة الثانية، مما يعني قانونياً أنها تهيمن عليها إدارياً بالكامل في إطار أسلوب هندسة مالية متبع للفصل بين المسؤوليات وحجب الهوية الفعلية للمستفيدين خلف طبقات متعددة من الشركات الواجهة (Conduit Companies) التي لا تُؤسس لغرض استثماري تقليدي بل كقنوات للمرور المالي.

وتشير الحسابات السنوية لشركة ⁠Belere S.A⁠ إلى تقلبات مالية حادة ومثيرة للانتباه؛ ففي عام 2020 لم يتجاوز إجمالي أصولها 24 ألف يورو، قبل أن يشهد قفزة غير مسبوقة في 31 دجنبر 2021 ليصل إلى حوالي 29.4 مليون أورو، ليعود ويتراجع في عام 2022 إلى 6.4 مليون أورو ثم تختفي هذه الاستثمارات تماماً لتصبح صفراً ويعود الرصيد البنكي إلى مستوياته الأولى.

هذه الطفرة المفاجئة المتبوعة بانخفاض سريع ومماثل دون مبرر تجاري واضح هي ما دفع خبراء الحوكمة والامتثال الدوليين لاعتبارها “إشارة خطر” (Red Flag) واضحة، إذ تُستخدم هذه الآلية عادةً لنقل السيولة بسرعة بين وجهات دولية مختلفة بعيداً عن أعين الرقابة المحلية.
وتتكامل هذه الصورة عند النظر إلى ديون الشركة؛ حيث أظهرت ميزانية 2021 التزاماً يفوق 30.8 مليون أورو تحت بند “دائنون آخرون” واجبة السداد في أقل من سنة، مصحوبة بأعباء فوائد ضخمة بلغت 1.8 مليون أورو، مما تسبب في خسائر متتالية أدت بالتبعية إلى تحول حقوق الملكية إلى رقم سالب يناهز ناقص 1.6 مليون أورو في عام 2024، وهو ما يُعرف بالعجز المالي التقني حيث تصبح الديون أكبر من مجموع أموال الشركة.

هذا التدهور المالي قاد شركة التدقيق اللوكسمبورغية ⁠GK Contrôle S.A⁠ إلى إطلاق تحذير قانوني رسمي في تقريرها الصادر في يوليو 2025، مشيرةً إلى أن صافي أصول الشركة انخفض إلى ما دون ربع رأس مالها الاجتماعي، وهي الحالة القانونية التي تفعل المادة 480-2 من قانون الشركات التجارية اللوكسمبورغي الصادر في غشت 1915، والتي تُلزم المساهمين بالدعوة إلى جمعية عامة استثنائية للنظر في حل الشركة وإلا واجهوا المسائل المدنية والشخصية بتهمة التقصير أو محاولة إخفاء أصول بطرق غير قانونية.

ورغم أن لوكسمبورغ عُرفت بمرونتها، إلا أن الضغوط المتزايدة من الاتحاد الأوروبي جعلت من قوانينها الحالية أداة رقابية صارمة تُعرف بـ “إجراء جرس الإنذار”، كما أن مثل هذه التقارير المدعومة ببيانات “أوبن لوكس” لا تمر مرور الكرام بل تفتح شهية المؤسسات الرقابية، وعلى رأسها البنك المركزي الأوروبي والهيئة الأوروبية لمكافحة غسيل الأموال، اللذان يركزان حالياً على تشديد الرقابة على الأنشطة المالية الموازية (Shadow Banking) والشركات الواجهة التي تستخدم القنوات البنكية الأوروبية لتمرير سيولة غير مبررة المصدر.

وفي حال تم تفعيل تدقيق معمق وصارم في الحسابات (Forensic Audit) بتوجيه أوروبي، فإن مصير مهدي الجواهري والشركات التي يديرها سيتحدد بناءً على مسارين متوازيين؛ الأول داخل لوكسمبورغ، حيث إذا كشف التدقيق أن الديون والفوائد المرتفعة المتبادلة كانت مجرد غطاء وهمي لإفراغ الشركة عمداً، فقد يواجه تهم “إساءة استخدام أموال الشركة” (Abus de biens sociaux) أو “الإفلاس الاحتيالي”، مما يترتب عليه غرامات باهظة وتصفية قضائية ومنع من إدارة الشركات في الاتحاد الأوروبي وصولاً للملاحقة الجنائية. أما المسار الثاني والأشد حساسية فيتعلق بالارتداد القضائي والسياسي داخل المغرب؛ إذ إن أي إثبات رسمي لوجود تدفقات مالية غير مشروعة أو تهريب للأموال خارج القنوات الرسمية سيضع الجواهري في مواجهة مباشرة مع القوانين الزجرية لمكتب الصرف المغربي، وهو أمر لن يقف عند حدود تجميد الأصول أو المتابعة الفردية، بل سيحدث زلزالاً يضرب مصداقية وحيادية مؤسسة بنك المغرب نظراً للمركز الحساس الذي يشغله والده، ليظل مصير الابن متأرجحاً بين عواقب قانونية قاسية في أوروبا وتداعيات سياسية ومؤسساتية كبرى داخل الوطن.

أمين الرفاعي

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads