صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

مجلس المنافسة وسوق المحروقات: هل تحولت “الحكامة” إلى أداة لتكريس الأمر الواقع؟

معاريف بريس – أخبار وطنية

منذ قرار تحرير أسعار المحروقات في المغرب، لم يتوقف الجدل المحيط بكيفية تدبير هذا القطاع الحيوي؛ غير أن الشكوك الشعبية والمهنية حول وجود “شبهة توافقات” لتعظيم الأرباح على حساب القدرة الشرائية للمواطن، تحولت مع توالي الأزمات الدولية إلى قناعة راسخة لدى فئات واسعة من الرأي العام، وفي قلب هذه الديناميكية، يجد “مجلس المنافسة” نفسه أمام مساءلة حقيقية تتجاوز دوره الدستوري النظري لتلامس مدى فاعليته كحصن لحماية المستهلك وضمان توازن السوق.

وتُجمع الأدبيات الاقتصادية على ظاهرة باتت سلوكاً هيكلياً لدى شركات توزيع المحروقات محلياً، وتُعرف بـ “الصواريخ والريش”؛ فبمجرد اجتياح أي توتر جيوسياسي في الممرات المائية الدولية، كمضيق هرمز، تسارع الشركات إلى تعديل أسعارها صعوداً، وفي بعض الأحيان اللجوء إلى مناورات لوجستية وتغيير مواقيت إغلاق المحطات لتأمين أرباح سريعة قبل الانتقال إلى تسعيرة منتصف الليل، وفي المقابل، عندما تشهد الأسواق الدولية تراجعاً ملحوظاً في أسعار برميل النفط، تصاب آليات التعديل بالتباطؤ الشديد، تحت مبررات جاهزة تتعلق بـ “تصريف مخزون الأمان” الذي غُطي بكلفة مرتفعة، هذا التماطل في الملاءمة يعكس غياب الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية، ويؤكد أن هوامش الربح تظل الخط الأحمر الذي لا ترغب الشركات في المساس به.

ولا يمكن إنكار أن مجلس المنافسة خطا خطوة هامة في أواخر سنة 2023 عندما فرض غرامات تصالحية بلغت نحو 1.84 مليار درهم ضد تسع شركات وتجمعهم المهني بسبب ممارسات منافية لقواعد المنافسة؛ غير أن هذا الإجراء، وبأثر رجعي، بدا وكأنه مسكّن مؤقت وليس حلاً جذرياً، فالإشكال الحقيقي لا يكمن في إصدار عقوبات فترية بعد سنوات من التقصي، بل في غياب رقابة مستمرة وديناميكية، والصمت الحالي للمجلس أمام استمرار فجوة الأسعار يعطي انطباعاً بـ “الانتظارية” ويزكي الأطروحة القائلة بأن مؤسسات الحكامة باتت تكتفي بتدبير الأزمات عوض استباقها، مما يحولها في وعي المواطن من أداة لضبط الجشع إلى وسيلة لتشريعه وتكريس الأمر الواقع.

إن خطورة المحروقات لا تكمن في كونها مادة استهلاكية قائمة بذاتها، بل باعتبارها عصب الدورة الاقتصادية بأكملها؛ فالكلفة الطاقية هي المحدد الرئيسي لأسعار المنتوجات الفلاحية عبر كلفة الضخ والجني، وكلفة النقل واللوجستيك التي تشحن البضائع إلى الأسواق، وبالتالي، فإن أي تواطؤ أو صمت على هوامش الربح غير المبررة في قطاع المحروقات يترجم تلقائياً على شكل تضخم يضرب القوة الشرائية في الصميم، ويخنق المواطن البسيط في تفاصيل حياته اليومية، من قفة الخضر إلى تذكرة التنقل.

إن استعادة الثقة في مؤسسات الحكامة، وعلى رأسها مجلس المنافسة، تمر حتماً عبر القطع مع سياسة التبرير والانتظار؛ إذ يحتاج السوق اليوم إلى آلية تتبع رقمية وشفافة تفرض الملاءمة الفورية للأسعار الوطنية مع البورصات الدولية، وتحدد سقفاً منطقياً للأرباح في قطاع استراتيجي لا يحتمل المضاربة، ودون ذلك، ستبقى تقارير الحكامة حبراً على ورق، وسيبقى المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة “تحرير” غير متكافئة.

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads