معاريف بريس – أخبار وطنية
تطرح الهيئات والجمعيات الثقافية بجهة الرباط سلا القنيطرة اليوم علامات استفهام حارقة، تحولت مع مرور الأيام إلى حالة من السخط العارم، جراء “البلوكاج” غير المبرر الذي يطال تحويل الدعم المالي المخصص لمشاريعها، بناءً على اتفاقية الشراكة الرسمية المبرمة بين مجلس الجهة ووزارة الشباب والثقافة والتواصل (قطاع الثقافة)، ممثلة في مديريتها الجهوية.
قرابة السنة والشغيلة الثقافية بالجهة تعيش على وقع وعود معلقة وانتظارية قاتلة، دون أي مبرر إداري أو مالي منطقي، خاصة وأن هذه المشاريع حظيت بالقبول والتأشير، وبُرمجت اعتماداتها المالية بشكل رسمي وضمن مساطر واضحة في ميزانية رسمية. فما الذي يحدث خلف الكواليس السياسية لمجلس الجهة؟
إن هذا التأخير غير المفهوم في الإفراج عن مستحقات جمعيات المجتمع المدني، يضرب في العمق مبدأ “استمرارية المرفق العام” ومصداقية الاتفاقيات التي تُوقعها مؤسسات دستورية بحجم مجلس الجهة ووزارة الثقافة.
هذا الصمت المطبق الذي تنتهجه الجهة أمام تساؤلات الفاعلين الثقافيين، لا يمكن قراءته إلا كـ”تراجع غير معلن” عن التزامات مؤسساتية أخذت طابع النفاذ قانوناً وبورصت في مالية السنة الماضية.
هذا التماطل لا يتسبب فقط في شلل تام للحركة الثقافية بالجهة، بل يضع الجمعيات الجادة — التي التزمت بآجال تنفيذ مشاريعها مع شركاء آخرين وفنانين وتقنيين — في مواجهة مباشرة مع الدائنين، ويهدد بإفلاس مبادرات ثقافية وطنية شابة، في وقت يُفترض فيه أن تكون الجهة رافعة للتنمية الثقافية لا مقبرة لها.
و أمام غياب أي تواصل رسمي يقدم تبريرات تقنية أو إدارية لهذا التأخير، باتت الشكوك تتجه رأساً نحو الخلفيات السياسية المحركة للملف.
وتتساءل الأوساط الجمعوية بمرارة: هل تحول الدعم الثقافي في عاصمة الأنوار والجهة إلى ورقة ضغط يرهنها رئيس المجلس (المنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة) لخدمة أجندات سياسية ضيقة؟
إن الحديث الدائر اليوم في كواليس العمل الجمعوي بالجهة يتمحور حول “المزاجية” في تدبير هذا الدعم، وسط تساؤلات مشروعة حول ما إذا كان هذا الصمت الإداري المريب غطاءً لعملية “انتقاء وتصفية” للمشاريع، تهدف إلى إغداق أموال دافعي الضرائب على تنظيمات جمعوية معينة تدور في الفلك السياسي والانتخابي للحزب القائد لأغلبية المجلس، مع إقصاء وتهميش الكفاءات والجمعيات المستقلة أو تلك التي لا تخدم مصالح الخريطة الانتخابية المقبلة.
إن تسييس الدعم الثقافي وإخضاعه لمنطق الولاءات الحزبية والترضيات السياسية يعد انتكاسة حقيقية لتدبير الشأن الجهوي، وتراجعاً خطيراً عن قيم الحكامة الجيدة والديمقراطية التشاركية التي نص عليها دستور المملكة.
إن مجلس جهة الرباط سلا القنيطرة، ومعه المديرية الجهوية للثقافة، مطالبان اليوم — أكثر من أي وقت مضى — بالخروج عن صمتهما، وتقديم توضيحات شفافة للرأي العام الجهوي والوطني حول مصير ميزانية الثقافة المبرمجة.
فالثقافة وجمعيات المجتمع المدني الجادة ليست “أثاثاً” لتأثيث المنصات، وليست أوراقاً تُشحن في الصراعات والمزايدات السياسية الضيقة، بل هي شريان حياة لجهة يُراد لها أن تكون قاطرة للتنمية الإقليمية والدولية.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com