معاريف بريس – أخبار وطنية
منذ سنوات، والمنظومة التعليمية تصارع وحشاً كاسراً ينهش في جسد مصداقيتها، وحشاً لا يكتفي بسرقة مجهود الآخرين، بل يغتال مبدأ تكافؤ الفرص في مهده.
إن الغش في امتحانات الباكالوريا لم يعد مجرد “سلوك معزول” أو “حيلة تلميذ” يبحث عن طوق نجاة، بل تحول إلى جريمة مكتملة الأركان، تعكس تزييفاً صريحاً للوعي، وسقوطاً أخلاقياً ومدوياً في مستنقع الوهم الأكاديمي.
إن استسهال الحصول على شهادة مصيرية عبر وسائل تكنولوجية أو شبكات تسريب جماعية هو بمثابة إعلان صريح عن موت الاستحقاق. عندما يتساوى الجهد والعرق والسهر، بالقرصنة والسرقة الفكرية في بضع دقائق، فإننا لا ننتج جيلاً مؤهلاً لبناء المستقبل، بل نضخ في شرايين المجتمع وبنيته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية طاقات مزيفة، تحمل ألقاباً وشواهد فارغة المحتوى.
هذا التزييف الممنهج هو الوصفة المثالية لإنتاج النخب الكرتونية، التي تعجز عند أول اختبار حقيقي في سوق الشغل أو في معترك التنمية عن تقديم أي إضافة نوعية.
إن المقاربة الزجرية، على صرامتها وضرورتها القانونية لحماية ما تبقى من هيبة الامتحان، تظل عاجزة ما لم تصاحبها ثورة فكرية تعيد الاعتبار لقيمة “العمل” و”النزاهة والمواطنة”.
إن المجتمع الذي يبرر الغش، أو يتعاطف مع من سُحبت ورقتُه، هو مجتمع يطلق النار على قدميه؛ لأن الطبيب الذي ينجح بالغش سيقتل المرضى، والمهندس الذي يتخرج بالخداع ستنهار بناياته، والدبلوماسي أو الإطار الذي يفتقد للجهد الذاتي لن يقوى على إدارة ملفات مصيرية في عالم لا يعترف إلا بالقوة الفكرية والكفاءة الحقيقية.
لقد حان الوقت لرفع منسوب الوعي والضرب بيد من حديد، ليس فقط على التلاميذ المتورطين، بل على كل من يسهل أو يشرعن هذه الكارثة الإنسانية والتربوية.
الباكالوريا ليست مجرد ورقة عبور، بل هي مرآة تقيس نضج جيل بأكمله، وإذا فسدت المرآة، تلاشت الحقيقة وظهرت العواقب الوخيمة التي يدفع المجتمع ثمنها لسنوات طوال.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com