صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

لماذا يدفع المواطن المغربي ضريبة “الشناقة” والعشوائية؟

معاريف بريس – أخبار وطنية

 

في أي بيئة اقتصادية تشهد سلاسل التوريد فيها اختلالات بنيوية ومستويات عالية من الفوضى، ينعكس هذا الوضع تلقائياً وبشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، وهنا يكمن الفرق الشاسع بين مفهوم “السوق الحرة” التي تضبطها آليات التنافسية الشريفة والقوانين الصارمة، وبين “السوق الفوضوية” التي يتحول فيها المستهلك إلى ضحية مباشرة لجشع المضاربين والوسطاء الانتهازيين (أو ما يُعرف في الأوساط الشعبية بـ “الشناقة”).

وإن ما نشهده اليوم في قطاعات إنتاجية واستهلاكية عديدة يسائل بجدية نجاعة المنظومة التنظيمية؛ ولهذا نؤكد دائماً أن المغرب بات في حاجة ماسة إلى استراتيجية تنظيمية متكاملة تضبط الأسواق وتقطع الطريق على العابثين بالأمن الغذائي والاجتماعي للمغاربة، ولعل أزمة أسعار أضاحي العيد الأخيرة لم تكن سوى تجسيد ملموس وفاضح لفوضى سلاسل الإمداد الداخلية.

والواقع المقلق يشير إلى أن المغرب يسير بـ “سرعتين مختلفتين” في تدبير اقتصاده؛ سرعة أولى بمقاييس عالمية تظهر جلياً عندما يتعلق الأمر بالاندماج في سلاسل الإمداد الدولية واللوجستيك العالمي المنظم كصناعة السيارات والطيران والموانئ، وسرعة ثانية غارقة في العشوائية تطبع الأسواق الداخلية وتفتقر لأبسط معايير الاحترافية والحكامة.

إن تجاوز هذه العشوائية يتطلب إسناد الأمور إلى كفاءات حقيقية وبروفايلات وطنية مؤهلة، لكن القراءة الموضوعية للواقع تكشف، للأسف، عن تهميش مستمر لهذه الطاقات لصالح صعود فئات متسلقة وانتهازية تجد الدعم من جهات ومراكز نفوذ مستفيدة من استمرار الوضع القائم، والنتيجة أن المواطن المغربي هو من يدفع اليوم “ضريبة الفوضى” وغياب التنظيم، وليس التكلفة الحقيقية للمنتج، نظراً لهشاشة آليات حماية المستهلك وضبط الأسعار.

هذه الاختلالات الهيكلية لا تقتصر على المواد الاستهلاكية بل تمتد إلى قطاعات حيوية أخرى، ولنا في قطاع العقار مثال واضح؛ ففي الدول المتقدمة تعتمد المعاملات العقارية على شفافية مطلقة وقواعد بيانات رقمية توفر للمستهلك معطيات دقيقة تساعده على اتخاذ قرار الشراء بثقة، أما في المغرب فتظل الأسعار محاطة بالغموض وغير معلنة بوضوح، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام النصب والاحتيال والمضاربات غير المشروعة.

والمثال الثاني يظهر جلياً في سوق السيارات المستعملة؛ ففي الوقت الذي تتيح فيه الدول المنظمة منصات رقمية تمنح المشتري التاريخ الكامل للمركبة وإصلاحاتها بضغطة زر واحدة، يجد المواطن المغربي نفسه مضطراً للاستعانة بـ “ميكانيكي” أو أقارب لفحص السيارة، ورغم ذلك غالباً ما ينتهي به المطاف ضحية للخديعة والتدليس.

إن التقدم الحقيقي للدول لا يُقاس بمجرد تشييد الملاعب الكبرى والمنشآت الضخمة على أهميتها، بل يُقاس بالدرجة الأولى بجودة الخدمات اليومية، ونجاعة الآليات المؤسساتية، وصيانة كرامة المواطن عبر ضوابط سوق عادلة، وهذا الإصلاح الهيكلي لا يستقيم إلا بالاستثمار الحقيقي في العنصر البشري، والتعليم، والنزاهة، باعتبارها الركائز الكفيلة بتطهير الأسواق والقضاء على العشوائية في أي مجال.

أما بخصوص التدبير الحكومي الحالي، فقد أبان عن قصور في الرؤية الاستراتيجية من خلال التركيز على تفاصيل هامشية؛ حيث تم اختزل الإصلاح في تقديم “الدعم المالي المباشر” للأسر بغرض التباهي السياسي بتوزيع الأموال على الملايين، وهو ما يمثل قمة الفشل في التخطيط التنموي. فبدل تقديم مساعدات ظرفية تكرس التبعية والاتكالية وثقافة الاستجداء بغرض تسهيل السيطرة والتوجيه، كان الأولى بالدولة تمكين المواطن من أدوات المعرفة والإنتاج، وتأهيله ليكون مساهماً حقيقياً في خلق الثروة للبلاد وتنمية الاقتصاد الوطني.

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads