معاريف بريس – المشهد البرلماني
في المشهد السياسي المغربي، غالبًا ما تصنع خرجات المسؤولين الإعلامية الفارق بين تعزيز الثقة الشعبية أو رصاصة الرحمة على ما تبقى من مصداقية حزبية.
الخرجة التلفزيونية الأخيرة لرشيد الطالبي العلمي، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، لم تكن مجرد محاولة عادية لتبرير التراجع البين للحزب العاجز عن الوفاء بالتزاماته الانتخابية، بل تحولت إلى سقطة سياسية وأخلاقية مدوية تعكس حجم الارتباك والتعالي الذي بات يطبع سلوك بعض مكونات النخبة المسيرة. فبدل أن يقدم العلمي خطابًا عقلانيًا يفسر فيه مكامن الخلل بجرأة وشجاعة، اختار الهروب إلى الأمام مستعينًا بلغة التناقضات، ومحاولاً شرعنة وضع هجين جعل من “الفراقشية” وأصحاب السوابق قادة يتصدرون المشهد السياسي بدل أن يكونوا استثناءً منبوذًا، وهو ما يشكل ضربة قاضية لمفهوم “تخليق الحياة السياسية” الذي طالما تغنت به الأدبيات الحزبية.
إن قمة الاستفزاز والخطورة في تصريحات العلمي تجلت في دعوته الغريبة والمحرضة، التي طالب فيها الشعب برجمه بالحجارة في الاستحقاقات التشريعية السابقة لسنة 2021. هذا المنطق التحريضي لا يسيء فقط لشخص قائليه، بل يضرب في العمق قيم الديمقراطية، والسلم الاجتماعي، ودولة الحق والمؤسسات، محولاً التنافس السياسي الشريف إلى ساحة لتصفية الحسابات بأساليب تعود لعصور الجاهلية والبلطجة.
هذه السلوكيات والخرجات غير المحسوبة تعيد إلى الأذهان بشكل تلقائي السيناريو القاتم الذي عاشه محمد مبدع، الوزير والبرلماني السابق الذي ظن يوماً أن النفوذ والحصانة وبهرجة الإعلام ستحميه من المحاسبة، لينتهي به المطاف خلف القضبان بحكم ثقيل مدته 13 سنة سجناً نافذاً أصدرته محكمة الاستئناف بعد ثبوت تورطه في ملفات فساد مالي وإداري.

المقارنة هنا ليست مجرد إسقاط اعتباطي، بل هي ناقوس خطر حقيقي يذكر كل من يعتقد نفسه فوق القانون بأن زمن الإفلات من العقاب قد ولى بلا رجعة.
إن السقوط المدوي لمحمد مبدع أكد أن القضاء المغربي، مدعوماً بالإرادة الشعبية والمطالب الحقوقية، مستعد لمحاكمة المفسدين مهما علت مراتبهم الحزبية. وما يقدمه الطالبي العلمي اليوم من تناقضات وتبريرات واهية لتراجع حزبه، بالإضافة إلى لغته التحريضية المستفزة، يضعه تحت مجهر النقد الشعبي العنيف، وقد يمهد الطريق لمساءلة سياسية وقانونية حتمية. فالشعب المغربي في سنة 2026 لم يعد يتقبل لغة الخشب أو التهديد المبهرج، بل يتطلع إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومقاليد الأمور يجب أن تعود للنخب النزيهة التي تحترم ذكاء المواطن، وتدرك أن مصير من يستقوي بالفساد والبلطجة لن يختلف عن مصير كل من قادتهم غطرستهم إلى غياهب السجون.
ابو ميسون
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com