معاريف بريس – أخبار وطنية
لطالما وضع الخطاب الملكي النقاط على الحروف حينما شخّص واقع “المغرب الذي يسير بسرعتين”؛ سرعة سيادية تقود قاطرة المشاريع الكبرى والدبلوماسية النشطة، وسرعة “سلحفاتية” للأحزاب السياسية والمجالس المنتخبة التي يبدو أنها لم تستوعب بعد حجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها في تنزيل التنمية المحلية.
ويتجلى هذا التفاوت الصارخ بشكل مأساوي في “المدن الجديدة” ومناطق الترحيل الجماعي، حيث تحولت الرؤية الملكية الرامية إلى توفير الكرامة للمواطنين، إلى مجرد كتل إسمنتية صامتة في يد مدبرين محليين عجزوا عن تحويل “الإيواء” إلى “تنمية”.
إن عمليات الترحيل التي شهدتها الحوامي الحضرية والمدن الساحلية على وجه الخصوص، لم تكن مجرد عملية نقل ديموغرافية، بل كانت اختباراً حقيقياً لمفهوم الدولة الاجتماعية، غير أن الواقع يكشف سقوط المجالس الجماعية والبرلمانيين في فخ “المقاربة التقنية الضيقة”
. فقد وُفرت الجدران وغُيبت شروط الحياة، مما خلق تجمعات سكنية تفتقر لأدنى شروط التأهيل السوسيو-اقتصادي، وكأن الهدف كان هو “إخفاء الفقر” وراء واجهات إسمنتية لا “استئصاله” عبر مبادرات تنموية خلاقة.
ومن المفارقات المثيرة للجدل، أن تجد هذه المدن الجديدة تطل على واجهات بحرية وموارد طبيعية هائلة، ومع ذلك يعيش سكانها عزلة خانقة وكأنهم في “غيتوهات” معزولة عن الدورة الاقتصادية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري حول دور الأحزاب وممثلي الأمة: أين هي التصورات الكفيلة بخلق اقتصاد محلي يستثمر في “الرأسمال الطبيعي” لهذه المناطق؟
إن العجز عن ابتكار حلول تربط السكن بفرص الشغل، واستغلال الساحل في مشاريع سياحية أو خدماتية لفائدة الساكنة المحلية، يعكس “عقماً برامجياً” يجعل من هؤلاء المنتخبين مجرد متفرجين على أزمات تتراكم.
إن الرسالة الملكية التي حملت المسؤولية لممثلي الأمة والفعاليات الحزبية، تضع الهيئة الناخبة اليوم أمام مسؤولية تاريخية؛ فالأصوات التي منحت لهذه الأحزاب لم تكن صكاً على بياض لتكريس العجز، بل كانت تفويضاً لتحويل تلك الفضاءات الجديدة إلى أقطاب حيوية.
إن المحاسبة السياسية اليوم يجب أن تنطلق من سؤال “الأثر”: ماذا قدم هؤلاء المنتخبون لتحويل الإسمنت إلى حياة؟ وكيف سمحوا بأن تتحول موارد طبيعية غنية إلى مجرد خلفية لمجمعات تفتقر للمرافق والخدمات؟
إن المغرب لا يمكن أن يستمر بسرعتين؛ واحدة تحلق في آفاق المستقبل، وأخرى تشدنا إلى الوراء بسبب “الاستقالة التدبيرية” للنخب المحلية، وبدون قطيعة حقيقية مع التنمية الصورية، سيبقى الترحيل مجرد تغيير للعناوين الجغرافية، بينما يظل الإقصاء هو العنوان الحقيقي لواقع لا يرتفع.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com


