معاريف بريس – أخبار وطنية
بينما تنخرط الدولة المغربية، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في ورش ملكي عملاق لإعادة هندسة المدن وتأهيلها بمعايير دولية تجعل من الرباط والدار البيضاء مرايا تعكس وجه المغرب الحديث والمستثمر، نجد في الجانب الآخر واقعاً مريراً يصفع طموحات ساكنة المدن الجديدة (تامسنا، الصخيرات، بوزنيقة، عين عتيق، وعين عودة). هنا، حيث كان من المفترض أن تولد “مدن الحياة”، ولدت “علب إسمنتية” تفتقر لأدنى شروط الكرامة الإنسانية، في ظل عجز حكومي مطبق وتيهان للمجالس الجماعية.
لقد رسم جلالة الملك خارطة طريق واضحة؛ طرق سيارة عالمية، بنية تحتية متطورة، وفضاءات تصون كرامة المواطن. لكن، وبكل أسف، يبدو أن الحكومة بقطاعاتها المختلفة لم تستوعب بعد أن “المدينة” ليست مجرد رخص للبناء وتراكم للرمل والأسمنت.
إن ما يحدث في مدن مثل عين عتيق وتامسنا، وبوزنيقة والصخيرات، هو “جريمة عمرانية” مكتملة الأركان؛ حيث تم حشر الطبقات المتوسطة والفقيرة في تجمعات سكنية تفتقر لروح الحياة، وتحولت مع الوقت إلى مجرد “مراقد” كئيبة.
إن السؤال الحارق الذي يوجه لمدبري الشأن العام: هل الحياة مقتصرة على شوارع العاصمة الرباط فقط؟ من المخجل أن نرى أطفالاً في مدن “جديدة” يمارسون هواياتهم وسط الحجارة والأزبال وفي ممرات السيارات، في غياب تام لملاعب القرب، المسابح العمومية، والمراكز الثقافية.
إن الحكومة، بعجزها عن توفير هذه المنشآت، لا تقتل فقط طموح الشباب، بل تدفعهم ارتماءً في أحضان الانحراف واليأس، محولةً هذه المدن إلى قنابل موقوتة تهدد السلم الاجتماعي.
تعتبر عين عتيق نموذجاً صارخاً لهذا التناقض البشع. واجهة تجذب المارة على الطريق، لكن بمجرد التوغل في أزقتها، تصطدم بواقع “المطارح العشوائية” للأزبال، وفوضى عارمة في ركن السيارات وسط غياب تام لعلامات التشوير والتنظيم. والأدهى من ذلك، هو تحول الأحياء السكنية إلى فضاءات مفتوحة لـ “محلات الشواء” التي تنفث أدخنتها ليل نهار في صدور الساكنة، دون أدنى احترام للمعايير البيئية أو الصحية، في صمت مريب للسلطات المحلية والجماعية.
بدل أن تكون الجماعات الترابية قاطرة للتنمية، تحولت إلى “شاهد زور” على تدمير كرامة البشر.
لقد وجد المنتخبون في الإسمنت وسيلة سهلة للاستثمار، متناسين أن بناء الإنسان يمر عبر التعليم، الصحة، والرياضة. إن غياب استراتيجية حكومية مندمجة تجعل من هذه المدن أقطاباً جاذبة، حولها إلى “حظائر بشرية” تفتقر للأمن والسكينة، وهو ما يدل على ارتفاع استهلاك المخدرات، والكميات التي ثم احتجازها من المخدرات بالمنصورية، وبوزنيقة والصخيرات، إضافة إلى جرائم قطع الطرقات، والسرقة، والسياقة المتهورة لمدمنين بالدراجات النارية.
إن الدولة، التي تبذل مجهودات جبارة في المشاريع الكبرى، باتت اليوم مطالبة بوقف هذا النزيف. لا يمكن الاستمرار في سياسة “ذر الرماد في العيون”. إن المطلوب هو:
1. محاسبة القطاعات الحكومية المقصرة في تنزيل المرافق العمومية بالمدن الجديدة.
2. إلزام المنعشين العقاريين والجماعات بإحداث فضاءات خضراء وملاعب رياضية كشرط أساسي وليس ككماليات.
3. تحرير المدن الجديدة من فوضى الأدخنة والأزبال وإعادة الاعتبار للشرطة الإدارية.
إن الكرامة التي ينادي بها جلالة الملك لا تتجزأ، وكما اكد جلالة الملك محمد السادس في إحدى خطبه : لا يمكن ان يسير المغرب بسرعتين ، وهي كلمة مولوية سامية لم تلتقطها الحكومة، ولا الجماعات الترابية، وهي إشارة لها دلالاتها، لا يمكن أن تقف عند حدود “الرباط الأنوار”.
إن سكان الصخيرات ، عين عتيق، تمسنا، وبوزنيقة مغاربة كاملوا المواطنة، ولن يقبلوا بأن تظل حياتهم رهينة لعجز حكومي يحول أحلامهم بالسكن اللائق إلى كابوس يومي وسط غابات من الإسمنت الصمّاء.
معاريف بريسHtpps://maarifpress.com


