محمد الناصيري/أديس أبابا
أديس أبابا 26 يونيو 2013 /ومع/ تراجعت حدة الأزمة التي كانت اندلعت بين إثيوبيا ومصر حول استخدام مياه نهر النيل الأزرق الذي تعتزم أديس أبابا تشييد سد فيه ، وذلك منذ دخول المقاربة الدبلوماسية على الخط ،مما ساهم في تبديد هذا التوتر لفائدة مقاربة أكثر هدوء لهذا المشكل الذي يكتسي أهمية بالغة للبلدين وخاصة مصر التي يعتبر نهر النيل مصدرا للحياة بها .
وبعد اقتناعهما بأن التصعيد لن يقودهما بعيدا الى أي حل ،وأنه من الافضل لهما البحث أولا عن سبل الوصول لحل ودي ،اتفق الطرفان المتنازعان على إحالة ملف “سد النهضة” على الخبراء بغرض تقييم آثاره على بلدان المصب.وتروم هذه الخطوة تفادي أن يلحق الضرر بأي من البلدان المطلة على النهر (مصر والسودان وجنوب السودان وإثيوبيا) .
من دون شك أن تقاسم موارد نهر النيل الأزرق ،يعد قضية شائكة .فعلى مر التاريخ ،كان هذا الموضوع مصدرا للجدل والتوتر بين البلدان المطلة على النهر ،غير أن هذه المرة يعكس الاستعداد الجيد الذي أبان عنه دبلوماسيو البلدين لايجاد حل لهذا المشكل ،أن الخلاف قابل للاحتواء .
وبالنظر الى الطابع الحيوي الذي يكتسيه مشكل الماء بالنسبة لمصر ، اعتقد العديد من المراقبين أن هذا الخلاف مرشح للتصعيد ،سيما على خلفية ما كان قد صرح به من قبل الرئيس المصري الراحل أنوار السادات من أن بلاده لن تدخل أبدا حربا ماعدا إذا تعلق الامر بقضية المياه .
وكان الاجتماع الذي عقده وزيرا خارجيتي إثيوبيا ومصر (17-18 يونيو الجاري ) مثمرا على أكثر من مستوى ،سيما وأن الانطباع السائد عند بداية الازمة ،كان يرشح الوضع لان يتفاقم أكثر ،سيما وأن بعض الاطراف التي كانت تسعى لتأجيج الوضع ،اقترحت التصعيد في هذا الباب بإغلاق قناة السويس في وجه الملاحة البحرية .غير أن العديد من المحللين يرون مع ذلك ،أن وزيري خارجيتي البلدين تناولا سطحيا القضايا الرئيسية ،مقابل أطراف أخرى تعتبر أن الاساسي تحقق ،وأن السبيل الذي يتعين اتباعه لحل الازمة أضحى معبدا فيما سيتولى الخبراء معالجة التفاصيل .
كما يرى هؤلاء،أن المعادلة في حد ذاتها سهلة ومعقدة ،حيث يمر الحل عبر اشراك خبراء بغرض الحفاظ على الصيغة التي اتفق الوزيران عليها ،والقاضية بأن يعهد الملف الى لجنة علمية للقيام بدراسة الموضوع ،وتحديد ما إذا كان المشروع الاثيوبي يضر بمصالح دول المصب.
المعادلة على حد سواء بسيطة ومعقدة، والحل يتطلب إشراك خبراء من أجل الحفاظ على المكاسب وضمان ولوج سكان المنطقة الى موارد النهر، دون الابتعاد بأي شكل ، عن الترتيبات السابقة التي اتفقت عليها البلدان المطلة على النهر .وبالنسبة لاثيوبيا ، فإن مشروع بناء السد يكتسي أهمية بالغة ،من أجل تلبية المتطلبات الاقتصاية والديموغرافية الاستثنائية ، حيث من المقرر أن يستقبل النهرمنجزات هامة من قبيل التزويد بالطاقة الكهربائية والماء لفائدة 120 مليون من نسمة الذين سيشكلون سكان عام 2025 .
أما بالنسبة لمصر، فإنها تلح على الطابع الحيوي لمياه النيل بالنسبة لفلاحتها ،مؤكدة في ذات الوقت على رغبتها في الحفاظ على علاقاتها الطبيعية مع إثيوبيا.
ويرى محللون أن الموقف المصري ،يعد وسيلة للدفاع عن موقفها الثابت بشأن هذه المسألة والالتفاف حول الضغوط الخارجية بالنظر الى الصعوبات ذات الطابع الداخلي التي تعيشها مصر جراء صعوبة تجميع كل الفرقاء حول برنامج يلبي طموحات المواطنين .ومن بين النقط الشائكة الاخرى المطروحة ،هنالك مسألة إعادة النظر في الاتفاقات المتعلقة بتقاسم مياه النهر ،الموقعة مابين 1929 و1959 إبان الاحتلال البريطاني .
وبخصوص هذا الموضوع ،ستحاول البلدان المعنية اعتماد مقارنة مرنة ومبتكرة للوصول إلى حل متوافق حوله. وبعد احتجاجها على تقادم الاتفاقات السابقة، قررت إثيوبيا مع دول أخرى تطل على النهر ،توقيع اتفاقية جديدة عام 2010 ،تسمى اتفاقية أنتيبي ،ترفض لحد الآن كل من مصر والسودان توقيعها محتجتين بأولوية الاتفاقات السابقة.
وسعيا منه للتوفيق بين هذه الآراء وموقفي البلدين اللذين يوجدان على طرفي نقيض، دعا الاتحاد الإفريقي ،البلدين إلى إيجاد حل “في سياق جديد ،مخالف للسياق الذي خلقته القوى الاستعمارية”،لكنه يجب أن يكون سياقا إفريقيا محضا ،دون أن يفصل الاتحاد في ذلك .
وبذلك تكون العاصفة الإعلامية التي تسببت فيها تصريحات بعض الدوائر المصرية ،والتي اعتبرت مسيئة من قبل البعض الآخر، قد أفسحت الطريق أما فتح نقاش حول صلاحية الاتفاقات التي تنظم الملاحة البحرية بالنهر ،ليظل السؤال المطروح أيهما يحظى بالأولوية : اتفاق عام 1959 أو عام 2010.لذلك وبفضل العمل الدبلوماسي ،يكون هذا الملف الشائك جدا ،قد أخذ بعدا جديدا فيما تم نزع فتيل مخططات بعض الاطراف التي كانت تبحث عن العناصر الكفيلة بإشعال فتيل هذا الملف الشائك .
وفي جميع الاحوال ،وفي انتظار خلاصات الخبراء ،تشع في الافق بارقة أمل ،عملت لحد الآن على وأد المخططات التصعيدية ،في وقت يبدو فيه أن إثيوبيا ومصر اختارا الخيار المناسب للتغلب على خلافاتهما وتجنيب إفريقيا أزمة إضافية قد تنضاف للنزاعات المزمنة التي تعوق تنميتها .
معاريف بريس
www.maarifpress.com
وم ع