معاريف بريس – أخبار دولية
في خطوة تعكس عمق الشرخ الدبلوماسي والأمني الذي بات يطبع العلاقات التركية الإسرائيلية، تتجه تل أبيب بشكل جدي نحو إغلاق قنصليتها العامة في مدينة إسطنبول، وهي الخطوة التي لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط منذ أحداث السابع من أكتوبر.
هذا القرار المرتقب، الذي أكدته مصادر دبلوماسية متطابقة، يأتي بعد سلسلة من التوترات الميدانية والسياسية، أبرزها تعرض محيط القنصلية لإطلاق نار في أبريل الماضي، مما عجل بإفراغ المقر من بعثته الدبلوماسية الرسمية والاكتفاء بإدارته عبر موظفين محليين أتراك، تحت ذرائع أمنية واقتصادية مرتبطة بتكلفة صيانة المقرات الشاغرة ومخاطر الزلازل، وهي تبريرات تقنية تحجب وراءها واقعاً دلالياً يؤشر على قطيعة صامتة.
إن التراجع الحاد في مستوى التمثيل الدبلوماسي بين أنقرة وتل أبيب، والذي وصل إلى حد غياب الدبلوماسيين الإسرائيليين بالكامل عن الأراضي التركية، يترجم بوضوح حدة الخطاب السياسي الذي تبناه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضد الحكومة الإسرائيلية ورئيسها بنيامين نتنياهو منذ اندلاع الحرب في غزة.
هذا التصعيد الكلامي، والدعم العلني لحركة حماس، نقل العلاقات التاريخية بين البلدين إلى نفق مظلم، ليعيد إلى الأذهان سيناريو القطيعة التي أعقبت حادثة سفينة “مافي مرمرة” عام 2010.
ورغم محاولات التطبيع والترميم التي جرت في عام 2016، إلا أن الهشاشة البنيوية في التحالفات الإقليمية لتركيا أثبتت مجدداً أن المصالح الإستراتيجية سرعان ما تصطدم بالضغط الشعبي والأيديولوجي، مما يجعل من استقرار هذه العلاقات أمراً شبه مستحيل في ظل الظروف الراهنة.
على صعيد آخر، يحمل هذا التحول الدبلوماسي تداعيات مباشرة على التركيبة المجتمعية والاقتصادية، لا سيما بالنسبة للجالية اليهودية في تركيا، والتي شهدت تقلصاً ديموغرافياً حاداً على مر العقود ليصل عددها اليوم إلى نحو خمسة عشر ألف شخص فقط، وسط بيئة مشحونة وتحديات أمنية متزايدة.
وفي المقابل، فإن إبقاء إسرائيل على سفارتها في العاصمة أنقرة “مفتوحة شكلياً” ودون طاقم دبلوماسي، يمثل رغبة في عدم قطع شعرة معاوية بالكامل مع دولة كانت الأولى في العالم الإسلامي التي اعترفت بإسرائيل عام 1949، مما يترك الباب موارباً أمام أي تسويات مستقبليّة قد تفرضها موازين القوى الجديدة في المنطقة، خاصة مع استمرار الاحتكاكات البحرية ومحاولات كسر الحصار التي تنطلق من السواحل التركية.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com