معاريف بريس – آراء ومواقف
يعكس انتخاب المغرب لعضوية مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي تحولاً جوهرياً في بنية النفوذ القاري، وانتقالاً حاسماً من مرحلة إثبات الحضور إلى مرحلة صياغة القرار الأمني والجيو-استراتيجي في إفريقيا.
إن هذا الاستحقاق الدبلوماسي ليس مجرد نتيجة لتصويت روتيني، بل هو اعتراف صريح بنجاعة “العقيدة المغربية” التي ترفض الفصل بين التحديات الأمنية ورهانات التنمية البشرية، وهي العقيدة التي نجحت الرباط من خلالها في تسويق نفسها كقطب استقرار وسط محيط يعاني من اضطرابات هيكلية وانقلابات متلاحقة.
من الناحية السياسية، يمثل هذا التواجد في “مطبخ القرار” الأفريقي إعلاناً رسمياً عن نهاية حقبة “الكراسي الفارغة” التي استغلها خصوم الوحدة الترابية لعقود، حيث بات المغرب اليوم يمتلك القدرة القانونية والدبلوماسية لمحاصرة الأطروحات الانفصالية في مهدها، وضمان عدم انحراف مؤسسات الاتحاد عن مسارها القانوني أو تورطها في ملفات تقع ضمن الاختصاص الحصري للأمم المتحدة.
إن القوة الناعمة للمغرب، المدعومة برؤية ملكية تضع إفريقيا في قلب الأولويات، استطاعت أن تقنع القارة بأن الأمن لا يتحقق فقط عبر المقاربات العسكرية، بل من خلال مكافحة الفقر، وتحقيق الأمن الغذائي، ومواجهة التغيرات المناخية، وهي الملفات التي يترأسها المغرب اليوم بكفاءة عالية.
وعلاوة على ذلك، فإن نيل المغرب لثقة الغالبية الساحقة من الدول الأفريقية يبعث برسالة قوية مفادها أن القارة السمراء بدأت تنفض عنها غبار الإيدولوجيات البالية وتتجه نحو “الواقعية السياسية” التي تمثلها الرباط، حيث تحول المغرب من مدافع عن مصالحه الوطنية فحسب، إلى “مهندس” للسلم القاري ووسيط موثوق في النزاعات الإقليمية.
إن هذا التموقع الجديد يضع المملكة أمام مسؤولية تاريخية لقيادة إصلاحات شاملة داخل مجلس السلم والأمن، بما يضمن تحصين القارة من التدخلات الخارجية وتعزيز قدرتها على حل أزماتها بعيون أفريقية خالصة، مما يكرس في نهاية المطاف سيادة الدول ووحدتها، ويفتح الباب أمام نهضة اقتصادية لا يمكن أن تتحقق دون استقرار سياسي، وأمني متين تشرف عليه عقول تؤمن بمصير القارة المشترك.
معاريف بريس htpps://maarifpress.com