معاريف بريس – آراء ومواقف
في قراءة سوسيوسياسية، مليئة بالمتغيرات الأمنية لمطلع عام 2026، يبدو أن المشهد الحزبي المغربي يعيش لحظة “إعادة ضبط المصنع” بعد القرار المفاجئ لعزيز أخنوش بالانسحاب من واجهة التجمع الوطني للأحرار وعدم دخول سباق الانتخابات المقبلة.
لقد كانت المفاجأة الكبرى التي عجلت بهذا التحول هي بزوغ قوة “جيل Z 212″، ذاك الكتلة البشرية الرقمية التي تجاوزت في تحركاتها كل التوقعات الكلاسيكية للأجهزة الأمنية؛ فبينما وقفت “الاستعلامات التقليدية” عاجزة عن فك شفرات لغة رقمية مشفرة وتحركات ميدانية عفوية لا تخضع لهرمية القيادة، أثبتت مقاربة “المخابرات المدنية” (DGST) قدرة استثنائية على اختراق الجدران الافتراضية وفهم سيكولوجية هذا الجيل السيال، مما مكن الدولة من امتصاص موجات احتجاجية غير مسبوقة كانت تهدد بكسر التوازنات القائمة.
هذا التفوق المعلوماتي للمخابرات المدنية في قراءة “البيانات الضخمة” لمزاج الشارع الرقمي، هو الذي صاغ في نهاية المطاف التقرير النهائي الذي خلص إلى أن بقاء الوجوه السياسية الحالية في الواجهة لم يعد خياراً أمنياً لاستقرار المؤسسات.
إن ما نعيشه اليوم هو تحول جذري في مفهوم “صناعة القرار السياسي”، حيث لم تعد التقارير الميدانية التي تعتمد على المخبرين التقليديين كافية لرسم خارطة الطريق، بل أصبحت “الخوارزميات التنبؤية” للمخابرات المدنية هي البوصلة؛ فقد نجحت هذه الأخيرة في استيعاب أن جيل Z ، لا يخرج للتظاهر بحثاً عن إيديولوجيا، بل تعبيراً عن “سخط تقني” ومعيشي، فتمت هندسة خروج أخنوش كعملية “تنفيس سياسي” ضرورية لتفادي الصدام المباشر، مع جيل لا يقرأ الجرائد، ولا يشاهد النشرات الرسمية، بل يصنع الحدث من غرف الـ Discord ومنصات البث المباشر. هذا التفوق المخابراتي المدني في إدارة الأزمات “الهجينة” أدى إلى تحويل زلزال سياسي محتمل إلى مجرد “تغيير في الأدوار”، حيث استبقت الدولة مخرجات صناديق 2026 بقرار سيادي ينهي حقبة “المال والأعمال في السلطة”، استجابةً لتقارير أمنية أكدت أن الاستمرار في النهج القديم سيجعل من الدولة هدفاً مباشراً لجيل لا يملك ما يخسره، وبذلك أصبحت استقالة، أو إقالة أخنوش هي الثمن اللوجستيكي الذي دفعته المنظومة لشراء سلم اجتماعي في عصر السيولة الرقمية.
ومع طي صفحة “الزعيم الملياردير”، بدأت ملامح “البديل التكنوقراطي” تتشكل في الكواليس كاستراتيجية تكميلية لمقاربة المخابرات المدنية، حيث تشير التقارير إلى صعود بروفايلات “نظيفة” رقمياً وسياسياً، قادرة على مخاطبة لغة الجيل الجديد دون حمولة “تضارب المصالح”.
هذا الانتقال نحو “تكنوقراطية بمسحة اجتماعية” ليس مجرد تغيير في الأسماء، بل هو تطبيق عملي لخارطة طريق أمنية-سياسية ترى أن المرحلة المقبلة تتطلب “مدبري أزمات” لا “رجال أعمال”، وتراهن على تحويل حماس “جيل Z 212” من التجييش الرقمي في الشارع إلى مؤسسات “مُرقمنة” بالكامل، مما يضمن استمرارية الدولة عبر واجهات سياسية أكثر رشاقة وأقل استفزازاً للوعي المجتمعي الجديد الذي بات يفرض إيقاعه الخاص على مراكز القرار.
وبناءً على هذا المسار التصحيحي، بدأت تتبلور ملامح “هندسة تحالفات” جديدة لانتخابات 2026، تتجاوز الاصطفافات الأيديولوجية الكلاسيكية نحو تحالف “الاستقرار والرقمنة”. إذ تشير القراءات الاستشرافية إلى صياغة ائتلاف حكومي خماسي جديد يجمع بين الاستقلال، والعدالة والتنمية، والحركة الشعبية، و”تجمع وطني للأحرار” بحلة تكنوقراطية، و”حزب الأصالة والمعاصرة” إذا قاد حملة تطهير ضد البارونات ، من دون طبعا الاتحاد الاشتراكي الذي تخلف عن الموعد، ولم يغير قيادته..
هذا السيناريو التحالف الخماسي، يحظى بمباركة غير معلنة من “تقارير الحكامة الأمنية”، يهدف إلى بناء حكومة “تكنو-سياسية” تكون مهمتها الأولى هي إطلاق ميثاق وطني للشباب الرقمي، وامتصاص طاقة “جيل Z 212” من خلال إدماج نشطائهم في المجالس الاستشارية والمنصات التشاركية، وبذلك تتحول الحكومة القادمة من “جهاز تدبير” إلى “واجهة تفاعلية” قادرة على التجاوب اللحظي مع نبض الخوارزميات، مما ينهي عصر “البلوكاجات” السياسية لصالح عصر “الأمن الاستراتيجي الرقمي”.
ابو محمد امين
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com