صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

خريف الزعماء لماذا استقال الحريري بالرياض وعزيز أخنوش في الرباط؟

معاريف بريس- أخبار وطنية

 

يتواصل النقاش حول موضوع إقالة او استقالة رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار السيد عزيز أخنوش، وإعلانه عدم الترشح للانتخابات 2026.

وهذا يحيل ذاكرتنا، بين مشهد استقالة سعد الحريري من الرياض عام 2017، وبين إعلان عزيز أخنوش (رئيس الحكومة المغربية) اعتزاله العمل الحزبي والسياسي في يناير 2026، تساؤلات عميقة حول “هندسة الأزمات” في الملكيات العربية. ورغم اختلاف السياقين (لبنان دولة جمهورية بتجاذبات إقليمية، والمغرب ملكية دستورية)، إلا أن المقارنة تكشف عن فلسفتين مختلفتين في إدارة “الشرعية” و”المساءلة”، واليكم تحليل جريدة” معاريف بريس”.

بين “الاحتواء السيادي” و”الخروج المؤسساتي”: كيف تدير الملكيات العربية أزمات رؤساء الحكومات؟

تعتمد الملكيات العربية في تعاملها مع قضايا الفساد أو الإخفاق الحكومي على آليات تتراوح بين “التدخل المباشر الحازم” كما في النموذج السعودي، و”التعديل الهادئ داخل المؤسسات” كما في النموذج المغربي. ويبرز الفارق بين واقعة الحريري وتجربة أخنوش كدراسة حالة للمسافة بين الفعل الجيوسياسي والفعل الديمقراطي المحلي.

1. واقعة سعد الحريري (2017): استقالة “عابرة للحدود”

كان إعلان استقالة سعد الحريري من على شاشة “العربية” في الرياض مشهداً استثنائياً في تاريخ الدبلوماسية العربية.

والتحليل السياسي لهذا المشهد يتجاوز مجرد “الفساد” الحكومي إلى “الأمن القومي”:

• الرسالة السياسية: أرادت الرياض حينها توجيه ضربة للنفوذ الإيراني في لبنان عبر سحب “الغطاء السني” عن حكومة يسيطر عليها حزب الله.

سعد الحريري رئيس حكومة لبنان
سعد الحريري رئيس حكومة لبنان

 

عنصر “الإكراه” والسيادة:

الاستقالة من عاصمة دولة أخرى لرئيس حكومة دولة “ذات سيادة” وضعت الملكية السعودية في مواجهة انتقادات دولية حول “احتجاز” مسؤول أجنبي. هنا، عولجت الأزمة كملف أمني إقليمي، وليس كملف حوكمة محلي، مما جعل “الاستقالة” تبدو كقرار سيادي سعودي أكثر منها قراراً لبنانياً.

2. حالة عزيز أخنوش (2026): “الاعتزال” تحت سقف المؤسسات

على النقيض تماماً، يأتي إعلان عزيز أخنوش (في يناير 2026) عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس حزبه واعتزال القيادة، كخطوة تمت داخل المغرب وبأدوات حزبية:

منطق “المسافة الملكية”:

في المغرب، تترك الملكية للحكومة واجهة التدبير اليومي، وعند حدوث احتقان شعبي (بسبب الغلاء أو شبهات تضارب المصالح)، يأتي التغيير عبر “صناديق الاقتراع” أو “الانسحاب الهادئ”.

تجنب “الشخصنة”:

قرار أخنوش بعدم تعديل قوانين حزبه للاستمرار يعكس محاولة لامتصاص الغضب الشعبي ضد “زواج المال والسلطة” عبر إظهار الزهد في المنصب، وهو سلوك يهدف لحماية استقرار “المؤسسة الملكية” من أن تتحمل هي وزر إخفاقات الحكومة.

3. مقارنة تحليلية: كيف تعالج الملكيتان قضايا الحكومات؟

بينما استُخدمت استقالة الحريري كأداة ضغط خارجي في سياق صراع المحاور، تُستخدم “إقالة” أو “استقالة” المسؤولين في المغرب (مثل أخنوش) كأداة تنفيس داخلي لضمان استمرارية النظام دون صدام مباشر مع الشارع. الملكية السعودية تعالج الفساد والإخفاق كـ “جراحة عاجلة” وبيد قوية، بينما تعالجه الملكية المغربية كـ “عملية تطويق” تترك فيها للمجتمع السياسي فرصة تصحيح مساره تحت إشرافها.

النموذج السعودي – “المقاربة الجراحية” (الحزم الفوقي)

في السعودية، ارتبط التعامل مع الفساد الحكومي (أو إخفاقات الحلفاء مثل حالة الحريري) بمفهوم “الدولة القوية المباشرة”.

• تجاوز البيروقراطية: الملكية السعودية لا تنتظر المساطر القانونية الطويلة إذا رأت خطراً يمس الدولة أو سمعتها. في حالة الحريري، كان التحرك سريعاً لفك الارتباط بحكومة تُعتبر “فاشلة” في مواجهة التغلغل الإيراني.

الفساد كملف أمني:

مع إطلاق “رؤية 2030″، أصبح الفساد يُعامل كخيانة للمشروع الوطني.

لذا، فإن المحاسبة غالباً ما تأتي بقرارات ملكية حازمة (أوامر ملكية بالإعفاء)، مما يعزز صورة الملك/ولي العهد كـ “مُطهر” للجهاز الإداري والسياسي، لكنها مقاربة تعتمد كلياً على إرادة القمة.

ثانياً: النموذج المغربي – “المقاربة المؤسساتية” (امتصاص الصدمات)

في المغرب، وخاصة في حالة عزيز أخنوش (الذي يجمع بين السلطة والثروة)، تنهج الملكية أسلوباً مختلفاً:

• ترك المسافة (Le Recul): الملكية في المغرب تضع “رئيس الحكومة” في الواجهة ليتحمل المسؤولية السياسية أمام الشعب والبرلمان.

عندما تصاعدت الانتقادات في البرلمان التي قدها محمد أوزين -الحركة الشعبية- وبوانو – العدالة والتنمية ( معارضة)، واختتمت بالشارع  جيل Z ،  ضد أخنوش بسبب “تضارب المصالح” (كرجل أعمال في قطاع المحروقات ورئيس حكومة)، لم تتدخل الملكية بإقالة فورية، بل تركت الأمر للتفاعلات الدستورية (تقارير مجلس المنافسة، تقارير جرد الأرباح، والضغط البرلماني).

التغيير عبر “الزمن السياسي”:

إعلان عزيز أخنوش اعتزاله العمل الحزبي هو “مخرج آمن” صممته الدولة العميقة (المخزن) لضمان تغيير الوجوه دون اهتزاز استقرار المؤسسة الملكية هنا تلعب دور “الحَكم” الذي يتدخل في الوقت المناسب لضمان انتقال السلطة التنفيذية من حزب إلى آخر دون إحداث فراغ سياسي.

ثالثاً: مقاربة “تضارب المصالح”

هذه هي النقطة الأكثر إثارة للجدل في المقارنة:

1. في السعودية: تم فصل الثروة عن القرار السياسي بشكل راديكالي عبر حملة “الريتز”، حيث طُلب من الأمراء ورجال الأعمال الفصل بين طموحاتهم السياسية وتجارتهم، أو الخضوع لمحاسبة الدولة.

2. في المغرب: لا يزال هناك “تعايش” حذر بين المال والسياسة، لكن الضغط الشعبي والقانوني يدفع الملكية لفرض “قواعد سلوك” أكثر صرامة. استقالة أو اقالة عزيز أخنوش يُنظر إليه كاعتراف بانتهاء مرحلة “رئيس الحكومة التكنوقراط-رجل الأعمال” وبداية البحث عن نموذج سياسي جديد أقل إثارة للجدل الشعبي.

الخلاصة التحليلية للمقاربة:

• الملكية السعودية تعالج قضايا الفساد أو الإخفاق كـ “قرار سيادي” يحمي هيبة الدولة وقوتها الإقليمية (كما في حالة الحريري).

• الملكية المغربية تعالجها كـ “إدارة للأزمات الاجتماعية” تهدف لحماية صورة الملكية كجهة فوق النزاعات، مع تحميل النخب الحزبية ثمن الفشل (كما في حالة عزيز أخنوش).

تحليلنا للنموذج المغربي يضعنا أمام مفهوم “الملكية الدستورية الاجتماعية” التي تتقن فن البقاء عبر “التطور الهادئ” بدلاً من “القطيعة المفاجئة”.

في المغرب، يُنظر إلى إخفاقات الحكومة أو قضايا الفساد المرتبطة بالمسؤولين (مثل الجدل حول ثروة أخنوش وتضارب المصالح) ليس كأزمة نظام، بل كأزمة “نخبة وسيطة”.

في المغرب، تعمل الحكومة كـ “امتصاص  صدمات” للملكية. عندما ترتفع الأصوات المطالبة برحيل عزيز أخنوش بسبب غلاء الأسعار أو شبهات احتكار قطاع المحروقات، لا تتدخل الملكية مباشرة لإقالته (كما حدث مع الحريري في السياق السعودي)، لأن ذلك يعني تحملها لتبعات الفشل الحكومي.

الآليات: تترك الملكية الغضب الشعبي يتجه نحو “رئيس الحكومة” و”الأحزاب”.

• النتيجة: يظل الملك في نظر الشعب هو “الملجأ الأخير” والحكم الذي سيتدخل في الوقت المناسب لإنصافهم، مما يحافظ على قدسية واستقرار العرش…وهو ما ثم فعلا.

2. مؤسسات الرقابة: “المحاسبة التقنية” لا “السياسية”

بينما كان التغيير في حالة الحريري بقرار “سياسي/أمني” صرف، يعتمد المغرب على تقارير مؤسساتية لشرعنة أي تغيير مستقبلي:

• المجلس الأعلى للحسابات: يصدر تقارير تفصيلية عن اختلالات التدبير المالي، مما يحرج المسؤولين ويجبرهم على التراجع أو الاستقالة “طوعاً”.

• مجلس المنافسة: لعب دوراً محورياً في قضية أخنوش عبر تقاريره حول أرباح شركات المحروقات، مما خلق ضغطاً “قانونياً” جعل بقاء أخنوش في واجهة العمل السياسي عبئاً على صورته وصورة الحزب.

3. “التطهير الهادئ”

على عكس “ليلة الريتز” في السعودية التي كانت زلزالاً هز النخب، يعتمد المغرب ما يمكن تسميته بـ “التطهير بالتقسيط”:

• يتم إبعاد المسؤولين المشتبه فيهم عبر “تعديلات حكومية” أو دفعهم لعدم الترشح لولايات جديدة (كما هو حال أخنوش في يناير 2026).

• هذا الأسلوب يضمن عدم شعور “رجال المال والأعمال” بالذعر الجماعي، مما يحافظ على تدفق الاستثمارات، وفي نفس الوقت يرسل رسالة للشارع بأن “التغيير قادم”.

مقارنة ختامية: “الجراحة” vs “العلاج الطبيعي”

هل النموذج المغربي أكثر استدامة؟

البعض يرى أن النموذج المغربي أكثر استدامة لأنه يمتص الغضب الشعبي دون هدم البناء السياسي، ويحول “الصراع ضد الفساد” إلى “مسلسل مؤسساتي”. لكن في المقابل، يرى آخرون أن النموذج السعودي أكثر فعالية في تحقيق نتائج سريعة وملموسة لردع الفساد، لأن “المساطر الطويلة” في المغرب قد تُستغل أحياناً لربح الوقت وتكريس “الإفلات من العقاب”.

بناءً على هذا، هل تعتقد أن “الخروج الهادئ” لعزيز أخنوش كافٍ لردع تزاوج المال والسلطة في المغرب، أم أن الأمر يتطلب “هزة” على الطريقة السعودية؟

المفاضلة بين النموذجين تعتمد على الهدف النهائي للدولة: هل هو “السرعة والردع” أم “الاستقرار والنضج المؤسساتي”؟ لا يوجد نموذج “أفضل” بشكل مطلق، بل يوجد نموذج “أنسب” لبيئة كل بلد.

إليك تحليل للمفاضلة بينهما:

1. متى يكون النموذج السعودي (الحزم السيادي) هو الأفضل؟

يكون هذا النموذج متفوقاً في حالات “الدول التي تعاني من ترهل مزمن” أو حين يكون الفساد قد تغلغل في مفاصل الدولة لدرجة أن القضاء العادي والبرلمان عاجزان عن المواجهة.

• المميزات:

• السرعة القصوى: استئصال رؤوس الفساد في ليلة واحدة (كما حدث في الريتز).

• الردع النفسي: يخلق رهبة لدى المسؤولين تجعل “مبدأ الخوف من المحاسبة” حاضراً قبل الإقدام على أي تجاوز.

• تغيير الثقافة: يفرض ثقافة “النتائج” بدلاً من “البيروقراطية”.

• المخاطر: قد يؤدي إلى “تجميد” المبادرات الفردية خوفاً من الوقوع في الخطأ، وقد يفتقر أحياناً للشفافية القضائية الكاملة.

2. متى يكون النموذج المغربي (التنفس المؤسساتي) هو الأفضل؟

يكون هذا النموذج هو الأفضل في “المجتمعات التعددية” التي تمتلك أحزاباً، ونقابات، وصحافة، ووعياً سياسياً نشطاً.

• المميزات:

• الاستقرار الطويل الأمد: التغيير لا يرتبط بمزاج شخصي، بل بآليات (انتخابات، تقارير، مؤسسات).

• حماية النظام: عندما يفشل أخنوش أو غيره، يسقط “الحزب” أو “الحكومة” ويبقى “النظام الملكي” في مأمن من الغضب الشعبي لأنه يظهر بمظهر الحَكم لا الطرف.

• النضج الديمقراطي: يُجبر المجتمع على تعلم كيفية محاسبة المسؤول عبر الصناديق والضغط المدني.

• المخاطر: قد يكون “بطيئاً جداً”، مما يولد شعوراً بالإحباط لدى الشعب (شعور بأن “الفساد يُعاد تدويره” فقط).

خلاصة ، من الناحية التحليلية، النموذج المغربي هو الأفضل للمستقبل، لأنه يبني “دولة مؤسسات” لا تزول بزوال الأشخاص. لكنه يحتاج إلى “نفحة” من الحزم السعودي لضمان أن المحاسبة ليست مجرد “تبادل أدوار” بل هي محاسبة حقيقية تعيد الأموال المنهوبة وتحقق العدالة الاجتماعية.

في حالة أخنوش، “الخروج الهادئ” يحمي استقرار المغرب، لكنه لن يكون كافياً إذا لم يتبعه إصلاح اجتماعي قانوني يمنع “تضارب المصالح” بشكل دستوري قاطع، لكي لا يتكرر المشهد مع رئيس حكومة قادم.

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads