معاريف بريس – أخبار وطنية
يشكل قطاع المغاربة المقيمين بالخارج أحد المكونات الاستراتيجية للعمل العمومي، بالنظر إلى الأدوار الحيوية التي يضطلع بها في تعزيز ارتباط الجالية المغربية بالخارج بوطنها الأم، ومواكبة انتظاراتها المتزايدة، وتنزيل التوجيهات الملكية السامية ذات الصلة بهذا الملف ذي الأولوية الوطنية. غير أن القطاع يشهد منذ سنة 2022 مؤشرات مقلقة على مستوى الحكامة والتدبير والأداء المؤسساتي، أثرت بشكل مباشر على ديناميته وقدرته على الاضطلاع بمهامه الاستراتيجية.
أولاً: الحكامة والتوجيه الاستراتيجي
يسجل على مستوى القطاع غياب رؤية تدبيرية واضحة ومعلنة تحدد الأولويات والأهداف ومؤشرات التتبع والتقييم، في ظل عدم تقديم حصيلة دورية شاملة للبرامج والمشاريع المنجزة. كما يلاحظ تراجع ملحوظ في اعتماد مبادئ الحكامة الجيدة والتدبير التشاركي، مقابل تكريس مقاربة مركزية في اتخاذ القرار، وضعف آليات التشاور والتواصل الداخلي، مما أدى إلى تراجع الفعالية المؤسساتية وخلق حالة من الضبابية في التوجهات الاستراتيجية.
ثانياً: التنظيم المؤسساتي وتدبير البرامج
عرف القطاع خلال الفترة الأخيرة إعادة ترتيب غير معلنة لمنظومة العمل عبر إحداث آليات موازية للتدبير خارج الأطر التنظيمية المعتمدة، مما ترتب عنه تهميش عدد من المسؤولين والكفاءات والخبرات المتراكمة وإقصاؤها من دوائر المساهمة في اتخاذ القرار.
كما تم تسجيل توقيف أو تجميد عدد مهم من البرامج الاجتماعية والثقافية والتربوية التي شكلت على مدى سنوات إحدى ركائز تنزيل التوجيهات الملكية السامية لفائدة المغاربة المقيمين بالخارج، مقابل الاقتصار على مبادرات محدودة ومتفرقة لا ترقى إلى حجم الرهانات المطروحة ولا تستجيب لانتظارات الجالية المغربية بالخارج.
وقد انعكس ذلك على تراجع الدينامية المؤسساتية وإضعاف القدرة على المبادرة والابتكار وغياب مشاريع مهيكلة ذات أثر مستدام.
ثالثاً: تدبير الموارد البشرية والكفاءات
تشير المعطيات المتوفرة إلى تراجع مكانة الكفاءات والخبرات المتراكمة داخل القطاع، من خلال تجريد عدد من المسؤولين والأطر من اختصاصاتهم الفعلية وتقليص مساهمتهم في إعداد وتنفيذ البرامج والمشاريع، مقابل إسناد مهام ومسؤوليات محورية لأطر مستقدمة حديثاً.
وفي السياق ذاته، تم تسجيل إعفاء عدد من المسؤولين من مناصب المسؤولية التي كانوا يشغلونها دون تقديم مبررات موضوعية أو تقييمات مهنية معلنة، ودون توضيح المعايير المعتمدة في ذلك. وقد خلفت هذه الإجراءات انطباعاً واسعاً بوجود مقاربة انتقائية في تدبير المسؤوليات لا تستند إلى مبادئ الاستحقاق والكفاءة وتقييم الأداء، مما أثر على الاستقرار الإداري وأضعف الثقة في آليات التدبير.
كما ساهمت هذه الممارسات في إضعاف الرأسمال البشري للقطاع وإهدار جزء مهم من الخبرات المتراكمة، وتنامي الشعور بالإقصاء والتهميش لدى عدد من الأطر والموظفين.
رابعاً: التعويضات والتحفيزات
سجلت خلال الفترة الأخيرة اختلالات على مستوى تدبير التعويضات والتحفيزات المهنية، تمثلت في تقليص أو توقيف التعويضات المخولة لعدد من الأطر والمسؤولين دون سابق إشعار أو توضيح كافٍ للمعايير المعتمدة، بما في ذلك الإقدام على توقيف هذه التعويضات في توقيت حساس تزامن مع فترة عيد الأضحى المبارك، وهو ما خلف استياءً واسعاً داخل القطاع بالنظر لما لذلك من انعكاسات اجتماعية ومادية مباشرة على المعنيين بالأمر وأسرهم.
وفي المقابل، تم الرفع من التعويضات والامتيازات لفائدة فئة محدودة من الأطر المستقدمة حديثاً أو المحسوبة على دوائر القرار، دون اعتماد معايير شفافة وموضوعية تربط الاستفادة بالأداء أو المسؤولية أو النتائج المحققة.
وقد أفرز هذا الوضع انطباعاً متزايداً بوجود ازدواجية في المعايير المعتمدة في تدبير منظومة التحفيزات، بما كرس الإحساس بعدم الإنصاف وأثر سلباً على مناخ العمل الداخلي.
خامساً: المناخ المهني والأداء المؤسساتي
أدت هذه الاختلالات المتراكمة إلى تراجع منسوب الثقة داخل الإدارة، وارتفاع مؤشرات الاحتقان والإحباط وفقدان الحافزية لدى عدد من الموظفين، مع ما لذلك من انعكاسات مباشرة على المردودية وجودة الأداء.
كما ساهم تهميش الكفاءات وتعطيل البرامج وضعف آليات التحفيز في إضعاف الدينامية المؤسساتية، في وقت يفترض فيه تعبئة جميع الطاقات البشرية لمواكبة التحولات المرتبطة بقضايا المغاربة المقيمين بالخارج.
سادساً: سياق مؤسساتي متصل بتنزيل المؤسسة المحمدية
تتزايد في أوساط الموظفين والكفاءات والخبرات تساؤلات بشأن خلفيات عدد من القرارات والإجراءات المتخذة خلال المرحلة الأخيرة، خاصة ما يتعلق بإعادة توزيع المسؤوليات وإعفاء بعض الأطر وتدبير الموارد البشرية والتعويضات.
ويُنظر إلى هذا التزامن من طرف العديد من الموظفين باعتباره مرتبطاً بسياق التحضير لتنزيل المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج، باعتبارها الورش المؤسساتي الاستراتيجي المرتقب، حيث يسود انطباع بأن بعض التدابير تروم إعادة ترتيب موازين المسؤولية داخل القطاع قبل دخول هذا الإطار الجديد حيز التنفيذ.
وقد ساهم غياب التواصل المؤسساتي الكافي في تعزيز هذه الانطباعات، وفي تعميق مناخ عدم اليقين داخل الإدارة.
الخلاصة
إن المؤشرات المسجلة خلال المرحلة الحالية تعكس تراجعاً ملحوظاً في الحكامة والتدبير داخل قطاع المغاربة المقيمين بالخارج، بما أثر على فعالية الأداء المؤسساتي وعلى تعبئة الرأسمال البشري والخبرات المتراكمة.
وتبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار لمبادئ الحكامة الجيدة، وتثمين الكفاءات، وضمان الشفافية وتكافؤ الفرص في تدبير الموارد البشرية والتعويضات، وإعادة إطلاق دينامية مؤسساتية قادرة على مواكبة التوجيهات الملكية السامية والرهانات الاستراتيجية المرتبطة بمغاربة العالم.
وقد يؤدي استمرار هذه الاختلالات وتراكمها إلى إضعاف شروط إنجاح الورش الإصلاحي المؤسساتي المرتقب، بما قد ينعكس سلباً على مستوى التعبئة الجماعية المنتظرة، وعلى قدرة القطاع على الانخراط الفعلي في الدينامية الجديدة التي يفترض أن تطلقها المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج.
كما أن غياب الوضوح في الرؤية وتراجع منسوب الثقة داخل الإدارة من شأنهما أن يحدّا من فعالية الإصلاح المنشود، وأن يؤثرا على حجم التوقعات الإيجابية المرتبطة بهذا الورش الاستراتيجي، الذي يعول عليه لإحداث نقلة نوعية في تدبير قضايا المغاربة المقيمين بالخارج.
معاريف بريسHtpps://maarifpress.com