معاريف بريس – ثقافة وفن
تُعد المقارنة بين التراث اليهودي في فاس والقدس مقاربة غنية ومثيرة للاهتمام، فهي تربط بين “عاصمة الروح” و”أورشليم المغرب” (كما يلقبها البعض). ورغم أن الجوهر الديني واحد، إلا أن السياق الثقافي والاجتماعي خلق اختلافات جوهرية في شكل التراث وتجلياته.

1. العمران والمجال (الملاح / الحي اليهودي)
• ملاح فاس: تأسس عام 1438 كأول حي يهودي رسمي بالمغرب. يتميز بعمارته المنفتحة نحو الخارج (النوافذ والشرفات المطلة على الشارع)، وهو ما كان يميز دور اليهود عن دور المسلمين في فاس التي تنغلق عماراتها نحو “الوسط”. يقع الملاح بجوار “القصر الملكي”، مما يعكس علاقة “الحماية” التي كانت قائمة.
• الحي اليهودي بالقدس: يتميز بعمارة حجرية صلبة وشوارع ضيقة جداً داخل أسوار البلدة القديمة. هو حي يكتسي صبغة “تاريخية مقدسة” نظراً لقربه من “حائط البراق” (الحائط الغربي). العمران هنا ليس مجرد سكن، بل هو طبقات من التاريخ الممتد لآلاف السنين.
2. التراث الروحي والعلمي
• فاس: كانت مركزاً للفكر “السفاردي” (الأندلسي-المغربي). عاش فيها الفيلسوف الشهير موسى بن ميمون، واشتهرت بمدارسها الدينية (Yeshivot) التي كانت تدرس التلمود بصبغة مغربية. التراث هنا يمتزج بالصوفية المغربية، حيث نجد ظاهرة “الأولياء المشتركين” (Saints) التي لا نجدها بنفس الزخم في القدس.
• القدس: هي مركز “الديانة” العالمي. التراث العلمي فيها يجمع بين مدارس من كافة أنحاء العالم (أشكناز، سفارديم، مزراحي، إلخ). في القدس، التراث هو “نصي” و”طقوسي” بامتياز، حيث تتوجه كل الشعائر نحو الأرض المقدسة.
3. الثقافة والموسيقى (التأثر بالمحيط)
• فاس: التراث اليهودي الفاسي متيم بالموسيقى الأندلسية والآلة. كان اليهود الفاسيون “حراس” طرب الآلة، وأدخلوا نغماته في صلواتهم (ما يعرف بـ “المطروز”). اللباس أيضاً تأثر بالقفطان المغربي والبلغة الفاسية.
• القدس: التراث الموسيقي فيها “فسيفسائي”. نجد الموسيقى الشرقية (المقامات) تتداخل مع ألحان أوروبية وأخرى قادمة من اليمن والعراق. الملابس التقليدية في القدس القديمة تختلف تماماً عن القفطان الفاسي، وتتسم بطابع شرقي متوسطي أو لباس ديني كلاسيكي أسود.
4. المطبخ: نكهتان مختلفتان
• فاس: يطغى عليه الحامض المصير، الزعفران، والقرفة. أطباق مثل “الحوت بالشرمولة” و”بسطيلة الحمام” (النسخة الكوشر) و”السخينة” الفاسية الأصيلة.
• القدس: المطبخ اليهودي في القدس هو “خليط عالمي”. نجد “الكوجل” (Kugel) الأشكنازي جنباً إلى جنب مع “الحمص” و”الفلافل” والأسماك الحارة القادمة من شمال أفريقيا. “السخينة” في القدس قد تسمى “تشولنت” (Cholent) وتختلف نكهتها ومكوناتها عن النسخة المغربية.
خلاصة المقاربة
بما أن هناك مهتمين بالموضوع ، فلا يمكننا الحديث عن الجسر الثقافي والعلمي بين فاس والقدس دون الوقوف عند شخصية “موسى بن ميمون” (المعروف في الغرب بـ Maimonides). هو الشخصية التي تجسد ذروة الفكر اليهودي الذي صُقل في المغرب واستقر في المشرق.
1. فاس: المختبر العلمي والروحي
ولد ابن ميمون في قرطبة، لكنه قضى سنوات تكوينه الحاسمة في مدينة فاس (بين عامي 1160 و1165).
• جامعة القرويين: يعتقد الكثير من المؤرخين أن ابن ميمون درس في جامعة القرويين أو على الأقل نهل من علمائها. هناك، لم يتعلم الدين فقط، بل برع في الطب، الفلسفة، والرياضيات.
• الدار المشهورة: إلى اليوم، توجد في “درب السبع لويات” بفاس القديمة دار تُعرف بـ “دار ابن ميمون” (التي تحتوي على الساعة المائية الشهيرة)، وهي مزار سياحي وثقافي يذكر العالم بأن فاس كانت “حاضنة” لعقله الجبار.
• تأثير فاس: في فاس، تشبع ابن ميمون باللغة العربية والفلسفة الأرسطوية المترجمة، وهو ما جعله يكتب أعظم كتبه (مثل “دلالة الحائرين”) باللغة العربية ولكن بحروف عبرية.
2. الرحلة نحو القدس والمشرق
بسبب الظروف السياسية آنذاك، غادر ابن ميمون فاس متوجهاً إلى فلسطين.
• زيارة القدس: زار القدس وصلى في “جبل الهيكل” (المسجد الأقصى كما يُعرف في السياق الإسلامي)، وكانت لحظة روحية فارقة في حياته، حيث وثق في رسائله تأثره العميق بالمدينة المقدسة.
• الاستقرار في مصر: رغم قدسية القدس لديه، استقر في الفسطاط (القاهرة) ليصبح طبيب البلاط لدى صلاح الدين الأيوبي. وهنا تظهر مفارقة جميلة: “عقل مغربي فاسي، يخدم حاكماً حرر القدس”.
3. إرثه بين المدينتين اليوم
• في فاس: يُنظر إليه كرمز لـ “العصر الذهبي” للتعايش. هو “الطبيب الفاسي” الذي تفتخر المدينة بأن جدرانها شهدت نبوغه.
• في القدس: يُعتبر ابن ميمون المرجعية التشريعية الأولى. كتابه “مشنيه توراه” هو الدستور الفقهي الذي يُدرس في كل مدارس القدس الدينية اليوم.
4. لماذا يعتبر جسراً؟
ابن ميمون لم يكن “يهودياً مغربياً” فحسب، بل كان “فيلسوفاً متوسطياً”. استخدم المنطق الذي تعلمه في المغرب ليفسر النصوص المقدسة في المشرق.
تُعرف هذه التعديلات بـ “تكانوت فاس” (Takanot Fes)، وهي بمثابة “القوانين التنظيمية” التي وضعها أحبار فاس ابتداءً من القرن الخامس عشر (بعد الهجرة من الأندلس)، لتنظيم حياة المجتمع وتكييف الدين مع الواقع المغربي.
هذه القوانين لم تبقَ محبوسة داخل أسوار ملاح فاس، بل سافرت مع المهاجرين الفاسيين إلى القدس، وأصبحت مرجعاً قانونياً حتى في محاكمها الدينية.
أهم ميزات “تعديلات فاس” التي انتقلت للقدس:
1. حماية حقوق المرأة (ثورة قانونية مبكرة):
كانت “تكانوت فاس” متقدمة جداً في إنصاف المرأة مقارنة بالعصور الوسطى. من أهم بنودها التي يفتخر بها الفاسيون في القدس اليوم:
• منع تعدد الزوجات: رغم أن الشريعة اليهودية كانت تسمح به (بشروط)، إلا أن أحبار فاس أصدروا “تكانوتاً” يمنع ذلك منعاً كلياً لحماية كرامة الزوجة المغربية.
• حق الإرث: وضعت قوانين تضمن للزوجة والأبناء نصيباً عادلاً من التركة، وحمت “الصداق” (الكتوباه) لضمان مستقبل المرأة في حال الطلاق أو الترمل.
2. تنظيم العلاقات التجارية والاجتماعية:
وضعت هذه التعديلات قواعد صارمة للتعامل التجاري داخل السوق (الملاح)، ومنعت المنافسة غير الشريفة. هذه القواعد أصبحت تُدرس في القدس كنموذج لـ “الأخلاق التجارية” المستمدة من البيئة المغربية التي كانت تمزج بين الفقه الإسلامي (الحسبة) والتقاليد اليهودية.
3. الطقوس الدينية (صلوات فاس في القدس):
حتى اليوم، توجد في القدس كنس (Synagogues) تُعرف بـ “كنيس الفاسيين”. في هذه الكنس:
• تُؤدى الصلوات وفق “المينهاج الفاسي” (الطقس الفاسي)، وهو طقس يتميز بنبرة موسيقية أندلسية واضحة.
• يُصر المصلون على ارتداء “الجلابة” و”البلغة” في بعض المناسبات الدينية، تعبيراً عن التشبث بهذا التراث الذي يعتبرونه “أرستقراطية دينية”.
لماذا يعتبر “التراث الفاسي” مميزاً في القدس؟
في القدس، هناك “تراتبية” غير معلنة للتراث؛ ويُنظر للتراث الفاسي بتقدير خاص لسببين:
1. العراقة: فاس هي “المدينة الأم” التي احتضنت الفكر العبري لقرون.
2. الوسطية: التعديلات التي خرجت من فاس كانت دائماً تتسم بالمرونة والواقعية، وهو ما يحتاجه المجتمع في القدس اليوم لمواجهة تعقيدات الحياة الحديثة.
خلاصة القول:
بينما تمثل القدس “القلب” الروحي لليهود، تمثل فاس “العقل” الذي نظم حياتهم لقرون. لذا، فالعلاقة بين التراثين هي علاقة تكامل: القدس تعطي “القداسة”، وفاس تعطي “النظام والجمال”.
بما أننا تحدثنا عن القوانين والتقاليد، هل تود معرفة كيف أثرت “الصناعة التقليدية الفاسية” (كالخياطة والذهب) على اللباس التقليدي لليهود في القدس؟
تأثر اللباس والزينة في القدس بشكل كبير بـ “المهارة الفاسية”، حيث نقل الحرفيون اليهود الذين هاجروا من ملاح فاس إلى القدس تقنيات دقيقة جعلت من اللباس اليهودي المغربي علامة على الوجاهة والرقي في المشرق.
إليك كيف تجلى هذا التأثير في ثلاث نقاط أساسية:
1. فن “الصقلي” والذهب (القفطان الفاسي في القدس)
اشتهر يهود فاس بكونهم أمهر “المعلمين” في خياطة القفطان، وخاصة باستخدام خيوط الذهب والفضة (الصقلي الحر).
• في القدس، كانت العائلات ذات الأصول المغربية تحرص على ارتداء “الكسوة الكبيرة” (أو لَبْرِيجة) في الأفراح. وهي لباس مخملي مطرز بالذهب بأسلوب “النطع” الفاسي.
• أصبح هذا اللباس في القدس رمزاً للهوية “السفاردية” الراقية، وكان يُصنع خصيصاً في ورشات بفاس ويُرسل عبر السفن إلى القدس والقاهرة.
2. الحلي والمجوهرات (الخيط والجوهر)
نقل الصاغة اليهود من فاس تقنيات صياغة الذهب التي تمزج بين الروح الأندلسية واللمسة الأمازيغية.
• “الخلالة” و”المشبوح”: انتقلت تصاميم الحلي الفاسية التي تعتمد على “الجوهر” (اللؤلؤ الحر) والزمرد إلى القدس.
• تميزت نساء القدس من أصل مغربي بوضع “خيط الروح” (عصابة رأس مرصعة) في المناسبات، وهي قطعة مجوهرات فاسية خالصة تعبر عن الترف والجمال المحتشم.
3. “الطربوش” والبلغة: هندسة المظهر الرجالي
بينما كان بعض يهود المشرق يرتدون ملابس متأثرة بالنمط العثماني، حافظ الفاسيون في القدس على:
• الطربوش الفاسي: الأحمر القاني ذو الخيط القصير، الذي كان يميز النخبة المثقفة والتجار.
• البلغة الفاسية: “الزيوانية” (الصفراء)، التي كانت تُلبس مع “الجلابة” الصوفية الرقيقة في صلوات الفجر، مما خلق مظهراً وقوراً يجمع بين سمت الصالحين وأناقة أهل المدن.

الأثر الاقتصادي: “الفاسي” كعلامة جودة
في أسواق القدس القديمة خلال القرن التاسع عشر وبداية العشرين، كانت كلمة “فاسي” تطلق على السلع ذات الجودة العالية (سواء كانت مناديل حريرية، أو أحزمة مطرزة “المضمة”). كان هذا التبادل التجاري يقوي الروابط الروحية، فكان التاجر الفاسي يرسل السلع، ويعود بـ “البركة” من القدس (مثل بخور العود والمصاحف العبرية المذهبة).
خاتمة هذه الرحلة بين المدينتين
إن العلاقة بين فاس والقدس هي علاقة “روح ومادة”؛ فاس قدمت المادة (الصناعة، القوانين، الفكر) والقدس قدمت الروح (القداسة، الرمزية). واليوم، حين تسير في حارات معينة بالقدس وتسمع نغمة أندلسية أو تشم رائحة “السخينة” بالزعفران، فأنت في الحقيقة تستحضر روح “فاس” التي لم تغادر قلوب من رحلوا عنها.
بهذا نكون قد رسمنا لوحة متكاملة عن التعايش ، بين اليهود المغاربة والمغاربة، ويبقى لكل الرأي قابل للاختلاف، لكن بحجج وقرائن كما تحدثنا عليها.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com