معاريف بريس – ثقافة وفن
المطبخ المغربي والطبخ اليهودي المغربي هما وجهان لعملة واحدة؛ فبينهما من التداخل ما يجعل من الصعب أحياناً الفصل بينهما، لكن لكل منهما خصوصية نابعة من الخلفية الدينية والتقاليد التاريخية.
إليك أبرز ما يميز كل منهما ونقاط الالتقاء والفرق:
1. المطبخ المغربي (بمفهومه العام والشعبي)
يتميز هذا المطبخ بكونه “مطبخ الانصهار”، حيث يجمع بين الثقافة الأمازيغية (الأصل)، العربية (التوابل)، الأندلسية (الرقي والتقنيات)، والأفريقية.
• المكونات الأساسية: يعتمد بشكل كبير على زيت الزيتون، والزبدة المملحة (السمن)، والخضر الموسمية، والقطاني.
• الأطباق الأيقونية: الكسكس (خاصة يوم الجمعة)، الطواجن بأنواعها (الدجاج بالبرقوق، اللحم بالسفرجل)، الرفيسة، والحريرة.
• التوابل: استخدام “رأس الحانوت”، الزعفران الحر، الكركم، والزنجبيل.
2. المطبخ اليهودي المغربي (الخصوصية والتميز)
يُعد المطبخ اليهودي المغربي جزءاً أصيلاً من الهوية المغربية، لكنه يلتزم بقواعد “الكوشر” (الحلال اليهودي)، وهو ما خلق تمايزاً في بعض التقنيات والأطباق:
• قاعدة الفصل: يمنع الطبخ اليهودي خلط اللحم مع الحليب ومشتقاته (مثل الزبدة)، لذلك يميل اليهود المغاربة لاستخدام الزيت أو شحم الدجاج عوض “السمن” أو “الزبدة” في أطباق اللحوم.
• طبق “السخينة” أو “الدفينة”: هو الطبق اليهودي الأشهر. يُحضر ليلة الجمعة ليُؤكل يوم السبت (يوم الراحة الذي يُمنع فيه إشعال النار). يُطهى ببطء شديد لمدة 12 ساعة أو أكثر، ويتكون من اللحم، الحمص، البيض، والقمح (أو الأرز).
• الأسماك: يتميز المطبخ اليهودي في المدن الساحلية (مثل الصويرة والدار البيضاء) بطرق مبتكرة لطهي السمك الحار (مثل طبق “كرايمي”).
• الحلويات والمعجنات: يشتهرون بـ “الموفليتة” (تؤكل في عيد الميمونة) وحلويات اللوز الممزوجة بماء الزهر والمسكة الحرة.
3. ما الذي يجمعهما؟ (التأثير المتبادل)
التعايش الطويل في “الملاح” (أحياء اليهود) والمدن القديمة خلق اندماجاً فريداً:
• البسطيلة: كانت تُحضر في الأعراس اليهودية قديماً، وانتقلت لتصبح ملكة الموائد في الأعراس المغربية المسلمة أيضاً.
• الحوامض: يشترك الطرفان في حب “الحامض المصير” (الليمون المخلل) والزيتون، اللذين يمنحان الطبخ المغربي نكهته الحامضة المميزة.
• الكسكس: هو الطبق الوطني المشترك، وإن كان لكل عائلة (سواء مسلمة أو يهودية) سرها الخاص في “التفويرة” والتوابل.
الفرق في التقديم
بينما يميل المطبخ المغربي الشعبي للتقديم في “قصعة” أو طاجن جماعي كبير، يشتهر المطبخ اليهودي المغربي بكثرة “المقبلات” (السلطات المغربية الصغيرة) التي تملأ المائدة قبل الطبق الرئيسي، وهي ممارسة أصبحت اليوم جزءاً لا يتجزأ من “الفخامة المغربية” في الفنادق والبيوت الكبرى.
هل تود أن أعطيك وصفة لطبق “السخينة” اليهودية بلمستها المغربية التقليدية؟
بما أنك مهتم، فإليك سر تحضير “السخينة” (أو الدفينة)، وهي من أكثر الأطباق التي تعكس الصبر والتفنن في المطبخ اليهودي المغربي. يكمن سرها في “الطهي البطيء” (Slow Cooking) الذي يجعل اللحم يذوب والنكهات تتداخل بشكل مذهل.
مكونات “السخينة” المغربية التقليدية:
1. الأساس: لحم البقر (يفضل “الملج”)، وحمص منقوع ليلة كاملة.
2. العقدة (الأرز أو القمح): يُوضع الأرز أو القمح في كيس قماش صغير (كموسة) مع القليل من الزيت، الملح، الزعفران، والقرفة.
3. البيض: يُوضع البيض بقشره داخل الطنجرة (يصبح لونه بنياً وطعمه مثل الكراميل بعد الطهي الطويل).
4. الحلاوة: حبات من التمر أو القليل من العسل (لإعطاء ذلك اللون العسلي الغامق).
5. البطاطس: حبات من البطاطس العادية أو الحلوة.
طريقة التحضير (طقوس السبت):
1. الترتيب: في طنجرة كبيرة وثقيلة، نضع الحمص في القاع، ثم قطع اللحم، ثم نوزع حولها حبات البطاطس والبيض المغسول.
2. الإضافات: نضع “كموسة” الأرز أو القمح في الوسط.
3. التوابل: زيت وسمن (أو زيت فقط لليهود)، ملح، إبزار (فلفل أسود)، زنجبيل، والكركم، والأهم هو القرفة والتحميرة (بابريكا).
4. الطهي العجيب: نغمر الكل بالماء، ونتركها تغلي. بعد ذلك، نُخفف النار إلى أقصى درجة (أو تُوضع في فرن تقليدي). تُترك ليلة كاملة (من 10 إلى 12 ساعة).
النتيجة:
عند فتح الطنجرة في اليوم التالي، تجد أن كل المكونات اكتست لوناً بنياً محمراً جميلاً، واللحم أصبح طرياً جداً، والأرز داخل الكيس امتص عصارة اللحم والتوابل.
هل جربت يوماً تناولها في أحد المطاعم التقليدية بمدينة الصويرة أو الدار البيضاء؟ أم تفضل الأطباق المغربية الأكثر شهرة كطاجن البرقوق؟
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com