صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

العراق ملك الصف العربي ليومين

نهاية الاسبوع الجاري يفضل الا يقضيها المرء في بغداد. منذ أمس ‘احتلت’ المدينة قوات الامن العراقية: الموظفون في الوزارات الحكومية والمعلمون في المدارس طولبوا الا يأتوا الى العمل حتى الاول من نيسان (ابريل) وفرض على كل الشوارع المؤدي الى الفندقين الكبيرين الشيراتون والماريديان حظر تجول، وعلى طول الشوارع الرئيسية اقيمت حواجز شرطة، وحل حظر على استخدام الدراجات النارية أو العربات الالية، وخبراء المتفجرات العسكريين يفحصون بشكل عشوائي سيارات السفر العادية للعثور على محاولات التخريب.
ابتداء من يوم الخميس المقبل وحتى نهاية الاسبوع سيحتفل العراق باحدى المناسبات الهامة في تاريخه، بعد تحرره من الاحتلال الامريكي. لاول مرة سيعقد فيه مؤتمر القمة العربية وذلك بعد أن تعاطت معه على مدى السنين معظم الدول العربية ‘كغرسة غريبة’، فرع ايراني، وبالاساس بؤرة للارهاب يفضل الابتعاد عنها. على مدى يومين سيكون العراق ملك الصف العربي. زعماء الدول العربية ـ معظمهم، وليس جميعهم ـ سيأتون اليه للبحث في ما يجري في الدولة المجاورة، سورية، وفي محاولة لادخاله الى الحضن العربي وتحريره من العناق الايراني. وحسب التقديرات في العراق، فان الحراسة الشخصية والاستعدادات للمؤتمر وحدها كلفت نحو 500 مليون دولار، ثمن هائل بالنسبة لملوكية ليومين.
قرارات مصيرية غير متوقع اتخاذها في مؤتمر القمة، ولا سيما عندما سيجري بعد يوم واحد من انتهائها في اسطنبول مؤتمر الدول الصديقة لسورية، والتي ستحاول الوصول الى توافق على فرض عقوبات اخرى على الدولة، ربما قطع العلاقات الدبلوماسية معها وربما ايضا اقامة ‘مناطق آمنة’ في اراضيها. إقامة مناطق آمنة ستستدعي تدخلا عسكريا وقرارا عمليا بتسليح الجيش السوري الحر، الذي طلب الاسبوع الماضي مساعدة عاجلة في ضوء هزال مخزونه من الذخيرة.
ولكن رئيس حكومة العراق، نوري المالكي، يرى في مجرد انعقاد مؤتمر القمة في بلاده فرصة هامة لرفع العراق الى جدول الاعمال العربي والدولي، بعد أن كادت ‘تنسى’ مع خروج آخر الجنود الامريكيين. لهذا الغرض بدأ في حملة من البادرات الطيبة تجاه الدول العربية التي هددت بانها لن تشارك في المؤتمر.
مع مصر وقع على اتفاق لاعادة الاموال التي مدين بها العراق للعمال المصريين الذين عملوا في العراق في عهد صدام حسين ولم يتلقوا بعد رواتبهم. ووافق على ان يمنح إذن إقلاع وهبوط لشركة الطيران الوطنية الكويتية، ولكن الاهم من ذلك ـ ان يدفع 300 مليون دولار على أضرار الاحتلال العراقي للكويت في 1990 (مقابل تخلي الكويت عن دين بمليار و مائتي مليون دولار). وللسعودية وعد بان يحاول استبدال عقوبة الموت التي فرضت على مواطنين سعوديين في العراق، بل وأعلن بان دولا غير عربية، كتركيا وايران، لن تدعى الى المؤتمر، خلافا للمؤتمرات السابقة. تركيا لا تزعج المؤتمرين، ولكن ايران هي علم أحمر، وذلك ايضا بسبب خلافاتها مع بعض من دول الخليج، ولكن اساسا في اعقاب سياستها بالنسبة لسورية.
كل هذه الخطوات لا تزال لا تعفي العراق من التعلق بايران، الشريك التجاري الاهم لها (حجم تجاري 8 ـ 10 مليارات دولار في السنة). هذا تعلق متبادل، وذلك لانه عبر العراق تنجح ايران في استيراد البضائع، البنزين وقطع الغيار، من خلال شركات وهمية يفتحها في الدولة مواطنون ايرانيون. وهؤلاء يشترون المنتجات بشكل قانوني في دول الخليج، وتنقل البضائع الى العراق، ومنها تهرب من خلال شبكات التهريب الى ايران.
وتشتبه المخابرات الامريكية بان العراق يسمح أيضا للطائرات الايرانية التي تحمل السلاح الى سوريا بالعبور في اراضيه. ونفت بغداد نفيا قاطعا هذه التهمة، ولكن عندما طالبتها الادارة الامريكية بانزال الطائرات الايرانية المشبوهة في اراضيها، رفضت. وفي نفس الوقت يشكل العراق أرض عبور للسلاح الموجه للثوار في سورية: قادة العشائر السنية في شمال غرب الدولة يجمعون السلاح والذخيرة ويهربونه عبر الحدود الطويلة مع سورية الى مراكز الثورة.
الضغط الخارجي، الامريكي والعرب، على العراق، هو مجرد جزء من مشكلة الدولة التي لا تزال تجد صعوبة في منع عمليات الارهاب. في وسائل الاعلام في العراق يمكن ان نجد كل يوم قصصا عن عبوات ناسفة تم تفكيكها، مواطنين اختطفوا و/او قتلوا على خلفية سياسية ـ فضلا عن الاحداث الكبيرة لعمليات التفجير التي يقتل فيها العشرات. وضد المالكي طرحت اتهامات بتبييض الاموال، علاقاته مع الاكراد على شفا أزمة خطيرة، في أعقاب قرارهم عدم التسليم الى الحكومة طارق الهاشمي، نائب الرئيس الذي يتهمه المالكي بالمبادرة الى عمليات الارهاب، والذي فر الى الاقليم الكردي.
معارضو المالكي يسمونه دكتاتورا. ورغم ذلك، ليس للمعارضة في العراق ما يكفي من القوة لاسقاطه، ويبدو أن ليس لا للولايات المتحدة ولا لايران ايضا مصلحة في اسقاطه. وهو على ما يبدو الوحيد الذي لا يزال يمكنه في هذه المرحلة ان يوجه خطى العراق بين منظومات الضغط وان يحافظ في نفس الوقت على وحدة الدولة التي تحاك بحبكات هزيلة. ليس ديمقراطيا كبيرا، ولكنه على الاقل لا يقتل مواطنيه.



www.maarifpress.com

هآرتس 26/3/2012

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads