معاريف بريس – أخبار وطنية
الرباط – معاريف بريس
في خطوة حملت الكثير من الدلالات التكنوقراطية، حسم المجلس الحكومي في هوية القبطان الجديد للمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (أونسا). لم يكن المعيَّن غريبا عن أسوار المؤسسة، بل هو الدكتور عبد الغني عزي، الذي تدرج لسنوات في دهاليز المراقبة وصياغة التقارير البيطرية، ليتسلم مشعل القيادة بالنيابة خلفا للمدير العام السابق المحال على التقاعد.
هذا التعيين يضع إطارا قادما من عمق الميدان في مواجهة مباشرة مع رأي عام محلي بات شديد الحساسية تجاه كل ما يوضع في صحن المستهلك المغربي.
التكنوقراطي الصارم
لا يختلف اثنان في الأوساط المهنية على أن الدكتور عزي يمتلك الشرعية التقنية الكاملة لقيادة هذا الجهاز الحساس. فالرجل ليس قادما من الصالونات السياسية، بل هو خريج معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة بالرباط التي تصدّر لائحتها، قبل أن يصقل معارفه بالمدرسة الوطنية للخدمات البيطرية بمدينة ليون الفرنسية.
وعلى مدى ثلاثة عقود، خبر عزي خبايا المكتب، وتحول في السنوات الأخيرة إلى الوجه التواصلي الأبرز للمؤسسة عبر القنوات التلفزية الوطنية.
غير أن الجلوس على كرسي الإدارة العامة يختلف تماما عن تقديم الشروحات التقنية، فالمدير الجديد يرث تركة ثقيلة وملفات وصفت بـ”القنابل الموقوتة”.
أوراق الملفات الحارقة
ينتظر المدير الجديد مسار حافل بالملفات الشائكة التي أثارت الكثير من المد والجزر في الصالونات والأسواق المغربية خلال السنوات الأخيرة.
وتأتي على رأس هذه الملفات أزمة بقايا المبيدات في الفواكه الموسمية والبطيخ الأحمر، حيث يواجه المكتب دائما تحدي دحض اتهامات “ازدواجية المعايير” بين ما يُصدَّر للخارج وما يُسوق في الأسواق الأسبوعية المحلية.
يضاف إلى ذلك فخ المجازر العشوائية؛ إذ سبق لعزي نفسه أن اعترف في مناسبات مهنية بأن 19 مجزرة فقط في المغرب تحظى بالاعتماد الصحي التام من أصل مئات المجازر الجماعية، وتأهيل هذه البنيات المتردية بالتعاون مع المجالس البلدية سيكون اختبارا حقيقيا لمدى حزمه.
كما يبرز ملف أمن القطيع وضغط الاستيراد؛ ففي ظل توالي سنوات الجفاف، أصبح المغرب يعتمد بشكل بنيوي على استيراد المواشي لتأمين حاجياته، وهنا يقف عزي بين مطرقة تسهيل سلاسل الإمداد وسد الخصاص، وسندان الحفاظ على اليقظة البيطرية الصارمة لحماية الرصيد الحيواني الوطني.
قرصة أذن تواصلية
تأتي القيادة الجديدة للمكتب في وقت يحتاج فيه جهاز “أونسا” إلى مراجعة جذرية لسياسة تواصله مع محيطه الإعلامي. ووجب هنا توجيه قرصة أذن صريحة للمرحلة الحالية: إن النهج السابق الذي كان يعتمد على إغراق عشرات المواقع الإلكترونية، التي ناهزت خمسين أو ستين موقعا، بعقود إعلانية وشراكات تواصلية بغرض التغطية على الاختلالات وضمان صمت الصحافة، هو نهج أثبت عقمه وفشله، فالأزمات الغذائية لا يمكن حجبها باللوحات الإشهارية عندما يتعلق الأمر بصحة المواطن.
إن الرهان الحقيقي المطروح اليوم على الدكتور عبد الغني عزي هو القطيعة مع هذا الإرث التواصلي الدفاعي، وتبني مقاربة جديدة قوامها الصراحة، والشفافية، والوضوح الكامل مع الرأي العام والصحافة الجادة، فالصحافة شريك في الرقابة وليست جهة يجب استمالتها لتغطية النواقص الإدارية.
يدخل الدكتور عبد الغني عزي هذا الامتحان وبيده أوراق تقنية وفيرة، لكن العبرة ستكون بمدى قدرته على تحويل مكتب “أونسا” من جهاز إطفائي للحرائق يكتفي بالرد البعدي على الأزمات والتسممات الموسمية، إلى مؤسسة استباقية تفرض سيادتها الصحية كاملة دون خضوع لضغوط اللوبيات الفلاحية أو التجارية. فهل ينجح “ابن الدار” في كسب هذا التحدي وإرساء نموذج تواصل مسؤول؟
معاريف بريسHtpps://maarifress.com