
قبل مقتل اسحق رابين بدقائق معدودة قال للجموع التي احتشدت في ميدان ملوك اسرائيل ان ‘العنف اضعاف للديمقراطية الاسرائيلية’. يمكن اليوم ان نقول ان العنف العقائدي يضعف أسس وجود دولة اسرائيل. وليس الخطر ‘اقصاء النساء’ فقط، فالحريديون المتطرفون مسوا ايضا بولد متدين استعمل في يوم السبت كرسيا متحركا كهربائيا (حصل على رخصة شرعية)، وأفسدوا حانوتا في مئه شعاريم لم تكن الكتب فيها توافق هواهم. ليس الخطر ‘شارة الثمن’ فقط، فمؤسسة المستوطنين تطلب شرعية لكل تلك البؤر الاستيطانية التي بنيت في يهودا والسامرة مع استهانة بالقانون وتحد سافر للجيش الاسرائيلي. ان الخطر أعمق وأوسع. ان هذه الظواهر كلها متصلة وتصور شرا وداء عميقا في المجتمع الاسرائيلي.
ان هذا الداء الذي ينجم عنه الخطر الحقيقي على دولة اسرائيل هو صعود مجموعات ذوات عقيدة كهذه أو تلك لا تقبل سلطة مؤسسات الدولة ولا ترى نفسها ملزمة بقوانينها. وهي على ثقة بأن ايمانها هو الحقيقة الخالصة الوحيدة وهي مصممة على فرضه بالقوة على المجتمع الاسرائيلي. وتشمل هذه التصورات التطرف الديني وجنون ‘الاحتشام’ عند دوائر في الجمهور الحريدي، والعقيدة الخلاصية والايمانية لدوائر في المستوطنات وسلب دولة الشعب اليهودي القومية شرعيتها على أيدي الفوضويين واليسار المتطرف. ان صيحة حرب ناتوري كارتا ‘لسنا نؤمن بسلطة الكفار ولا نحسب حسابا لقوانينهم’ أصبحت في السنين الاخيرة من نصيب دوائر غير قليلة من جميع الاوساط.
ان هذه الدوائر تقع خارج الاجماع الاسرائيلي، وهي أقلية من الشعب، لكن كل من يزعم ان الحديث عن ‘أقلية ضئيلة’ يخطيء ويُضل؛ فالحديث عن أقليات كبيرة أخذت تزداد بازاء ضعف الدولة وعدم استعدادها لفرض سلطتها على مواطنيها جميعا.
وهذا هو الخطر الأشد وهو التسليم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو بالفعل وبعدمه، أو بالصمت والغمز لهذه الظواهر ولهذه الدوائر. ويعبر هذا التسليم عن نفسه بضعف الشرطة وعجزها، ووهن النيابة العامة وتردد الجيش وتسامح المحاكم الذي لا يحتمل وبخوف كثيرين جدا من القيادة السياسية يفضلون المصالح السياسية والشخصية الغوغائية على مصلحة الأمة.
يجب ألا تؤثر فينا كثيرا التنديدات التي بعض منها عرض تلون. فمن يندد ويتفهم في نفس الوقت مخالفي القانون ليس لتنديده أية قيمة. وكما تزعم اسرائيل أنه لا يوجد ظلم أو مظلمة يستطيعان تسويغ الارهاب فانه لا يوجد أي ظلم حقيقي أو متوهم يمكن ان يسوغ العنف والشغب والاخلال بالقانون. فالتفهم هو بدء التسويغ الذي ينتهي الى التسليم وهو أم كل خطيئة.
ان رئيس الدولة أدرك بحسه السليم مهانة هذا الامر حينما صرخ قائلا: ‘ليسوا أسياد البلاد’. هذا هو الامر كله فهذه الجماعات تعتقد أنها أسياد البلاد. اذا كنا نرغب في الحياة فيجب علينا ان نُبين لها بالاعمال لا بالكلام ان أحياءها في بيت شيمش أو اسدود أو مئه شعاريم أو يتسهار أو بلعين ليست منطقة خارج المناطق وأنهم لن يكونوا أسياد البلاد وأن الدولة ستفرض عليهم سيادتها بجميع الوسائل المطلوبة.
يهودا بنمئير
معاريف بريس
www.maarifpress.com
هآرتس 3/12/2012