معاريف بريس – أخبار وطنية
تزامنا مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، تصاعد السجال بين مكونات الأغلبية الحكومية، خصوصا بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة. ولم يعد هذا التوتر مقتصرا على التنافس الانتخابي أو الدفاع عن الحصيلة الحكومية، بل انتقل في بعض الحالات إلى تبادل اتهامات تتعلق بالمال العام، والشركات الخاصة، وتدبير الصفقات، وحتى طبيعة العلاقة بين المصالح الاقتصادية والقرار السياسي.
في هذا السياق، جاءت تصريحات هشام المهاجري، البرلماني والقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، خلال لقاء حزبي بمدينة مراكش في سياق الحملة الانتخابية الحالية، لتعيد إلى الواجهة ملف برنامج «فرصة» وعلاقته بتدبير المال العام وبشركات خاصة. وبحسب ما تداولته وسائل إعلام، اتهم المهاجري الحكومة بمنح المعطيات الشخصية لآلاف المستفيدين من البرنامج لشركة تابعة لمجموعة «أكوا»، كما تحدث عن ضخ أموال لشركات إعلانات ومكاتب دراسات، وربط ذلك بالسياق الانتخابي.
هذه التصريحات لم تأت من فراغ. فقد سبق للمهاجري، في أبريل 2022، أي بعد إطلاق برنامج «فرصة» مباشرة، أن انتقد من داخل الأغلبية الحكومية نفسها الكلفة المالية للترويج والمواكبة. ففي تدوينة نشرها في 15 أبريل من ذلك العام، تحدث عن تخصيص 23 مليون درهم للترويج الإعلامي ونحو 250 مليون درهم للمواكبة والتتبع، متسائلا عن جدوى هذه الكلفة مقارنة بعدد المستفيدين في بعض الجهات.
وبذلك، فإن تصريحات مراكش الحالية تأتي في سياق انتقاد سياسي سبق أن عبر عنه المهاجري منذ إطلاق البرنامج، لكنها تضيف إليها اتهامات أكثر حساسية تتعلق بشركات خاصة وبالمعطيات الشخصية وبالعلاقة المفترضة بين تدبير البرنامج والحسابات الانتخابية.
الشبهة الجنائية؟
المشكلة هنا ليست في أن مسؤولا سياسيا ينتقد برنامجا حكوميا أو يشكك في كلفة تدبيره. فهذا جزء طبيعي من النقاش السياسي، خصوصا خلال الحملات الانتخابية. لكن الأمر يتغير عندما تتضمن التصريحات وقائع محددة يمكن، إذا ثبتت، أن تكون لها طبيعة قانونية أو جنائية: شركات مستفيدة، أموال عمومية، صفقات، خدمات، معطيات شخصية، أو استعمال محتمل للموارد العمومية في غير الأغراض المخصصة لها.
فالفصل 241 من القانون الجنائي يتعلق بتبديد أو اختلاس أو احتجاز أو إخفاء أموال عامة أو خاصة موضوعة تحت يد الموظف العمومي بسبب وظيفته، بينما يتناول الفصل 245 حصول الموظف العمومي على فائدة في عقد أو مؤسسة أو استغلال يتولى إدارته أو الإشراف عليه. ولا يكفي، بطبيعة الحال، وصف واقعة بأنها «تبذير» أو «محاباة» لإثبات إحدى هذه الجرائم، إذ يتعين التحقق من الوقائع والعناصر المكونة لكل جريمة.
لكن هذه الحقيقة القانونية لا تلغي السؤال الآخر: إذا تضمنت التصريحات وقائع محددة قابلة للتحقق، فمن الجهة التي يفترض أن تتحقق منها؟ هنا تحديدا تظهر مسؤولية النيابة العامة.
البحث لا يعني الإدانة
المادة 40 من قانون المسطرة الجنائية تمنح وكيل الملك صلاحية تلقي المحاضر والشكايات والوشايات واتخاذ ما يراه ملائما بشأنها، كما تخوله مباشرة الإجراءات الضرورية للبحث عن مرتكبي الأفعال التي قد تشكل مخالفات للقانون الجنائي.
وبالتالي، فإن فتح بحث في تصريحات سياسية لا يعني مسبقا تصديق صاحبها أو إدانة الأشخاص أو الشركات التي وردت في كلامه. وظيفة البحث هي التحقق: هل توجد وقائع صحيحة؟ هل توجد وثائق؟ هل توجد صفقات؟ هل نفذت الخدمات فعلا؟ وهل احترمت القواعد القانونية؟ وإذا لم تثبت الاتهامات، ينتهي الأمر إلى ذلك. وإذا ثبت وجود مخالفات، تتخذ الإجراءات القانونية المناسبة.
المشكلة إذن ليست في المطالبة بإدانة أحد، وإنما في معرفة سبب عدم الانتقال من التصريحات العلنية إلى مرحلة التحقق، خصوصا عندما يتعلق الأمر بادعاءات تمس المال العام أو تدبير برامج حكومية.
الحصانة ليست جوابا
قد يثار في هذه الحالة موضوع الحصانة البرلمانية، لكن الفصل 64 من الدستور لا يمنح البرلماني حماية مطلقة عن كل ما يصدر عنه من تصريحات. فالحماية الدستورية ترتبط بإبداء الرأي أو القيام بالتصويت خلال مزاولة المهام البرلمانية. ولذلك، فإن التصريحات الصادرة خلال لقاءات حزبية أو انتخابية خارج المؤسسة التشريعية لا يمكن وضعها تلقائيا تحت مظلة الحصانة البرلمانية.
غير أن عدم انطباق الحصانة، في حال ثبوته، لا يحول التصريح إلى جريمة في حد ذاته. المسألة تظل مرتبطة بمضمون الكلام والوقائع التي يستند إليها والعناصر القانونية لأي جريمة محتملة. وهنا تعود المسألة إلى نقطة البداية: التحقق.
حالة الإبراهيمي
هذه النقطة تكتسب أهمية خاصة عند مقارنتها بما وقع في القنيطرة قبل أيام. فمساء الأحد 30 غشت، وخلال لقاء تواصلي نظمه حزب العدالة والتنمية بمدينة القنيطرة، تحدث مصطفى الإبراهيمي، البرلماني والمرشح عن دائرة القنيطرة، عن احتمال استعمال أموال متحصلة من تجارة المخدرات للتأثير على العملية الانتخابية، وأشار في حديثه إلى كميات كبيرة من المخدرات وإلى رقم 270 طنا في سياق حديثه عن الأموال التي يمكن أن تؤثر في المؤسسات المنتخبة.
وفي 3 شتنبر، أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالقنيطرة فتح بحث قضائي بشأن هذه التصريحات، بعد تداول مقاطع منها على مواقع التواصل الاجتماعي. البلاغ القضائي لم يقل إن تصريحات الإبراهيمي صحيحة، ولم يقل إن أموالا متحصلة من المخدرات استعملت فعلا في الانتخابات. بل حدد هدف البحث في الوقوف على حيثيات وظروف التصريح وترتيب الآثار القانونية اللازمة، في إطار السهر على نزاهة العملية الانتخابية.
وهذا بالضبط هو جوهر البحث القضائي: لا تصديق مسبق ولا إدانة مسبقة، وإنما تحقق. ومن هنا تبدو المقارنة مع تصريحات المهاجري مشروعة.
فإذا كانت النيابة العامة قد رأت أن تصريحا انتخابيا حول احتمال استعمال أموال المخدرات للتأثير في الانتخابات يستوجب البحث، فلماذا لا تخضع تصريحات انتخابية أخرى تتحدث عن أموال عمومية وصفقات وشركات وعلاقات محتملة بين المال والقرار السياسي للمنطق نفسه؟
ليس المطلوب القول إن القضيتين متطابقتان قانونيا. إنهما ليستا كذلك بالضرورة. لكن المطلوب معرفة المعيار الذي يحدد متى تكون التصريحات السياسية جدية بما يكفي لفتح بحث قضائي.
السعدي: تصريح آخر من داخل الأغلبية
المقارنة لا تتوقف عند الإبراهيمي. في مساء الاثنين 7 شتنبر، وخلال لقاء حزبي بجماعة مزوضة بإقليم شيشاوة، في إطار الحملة الانتخابية، صعد لحسن السعدي، كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، لهجته ضد خصوم حزبه في الأصالة والمعاصرة.
وخلال مداخلته، استخدم السعدي عبارة «الفرماج الفاسد»، في إشارة إلى أحد خصومه السياسيين، في سياق حديثه عن من وصفهم بـ«الفراقشية». كما ربطت تغطيات إعلامية العبارة بالقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة عبد الرحيم بنضو، صاحب شركة تنشط في مجال الأجبان، في حين تضمنت الإشارة إلى «مول السيركات» إحالة على هشام المهاجري.
التصريح جاء في سياق سجال انتخابي مباشر بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، أي في السياق السياسي نفسه الذي صدرت فيه تصريحات المهاجري والإبراهيمي. لكن الفارق هنا واضح: السعدي لم يستدع ولم يستمع إليه من طرف النيابة العامة بشأن هذه التصريحات.
ومن ثم، فإن السؤال لا يتعلق بما إذا كان ينبغي تحويل كل عبارة انتخابية حادة إلى قضية قضائية. بالعكس، الأصل ألا يتحول القضاء إلى أداة لتصفية السجالات الانتخابية.
السؤال هو: لماذا استوجب تصريح انتخابي للإبراهيمي بحثا قضائيا، بينما لم يستوجب تصريح السعدي المسار نفسه، ولماذا لا نرى المسار نفسه في مواجهة تصريحات المهاجري التي تتضمن ادعاءات أكثر تحديدا بشأن المال العام والشركات والصفقات؟
معيار واحد للجميع
المسألة، في جوهرها، ليست مطالبة النيابة العامة بفتح بحث ضد كل سياسي يستخدم لغة حادة، وإنما المطالبة بمعيار واضح. فالنيابة العامة ليست مطالبة بأن تصبح حكما في كل معركة انتخابية، كما أن فتح بحث لا ينبغي أن يتحول إلى عقوبة سياسية في حد ذاته. لكن عندما تتضمن التصريحات وقائع قابلة للتحقق، يصبح البحث وسيلة لحسم الجدل وليس لتغذيته.
وفي حالة المهاجري، توجد عناصر محددة يمكن التحقق منها إذا كانت التصريحات قد نسبت إليه بدقة: برنامج حكومي محدد، شركات محددة، أموال عمومية، صفقات أو خدمات، ومعطيات شخصية للمستفيدين.
ويمكن ببساطة الرجوع إلى العقود ودفاتر التحملات، وتحديد الشركات المستفيدة، وقيمة الصفقات، وطبيعة الخدمات المقدمة، ومصدر المعطيات التي تحدث عنها المهاجري، ثم معرفة ما إذا كانت الوقائع التي أشار إليها صحيحة أم لا.
إذا كانت صحيحة، فالبحث يخدم المال العام. وإذا كانت خاطئة، فإن البحث نفسه يخدم المؤسسات والأشخاص الذين طالتهم الاتهامات، ويمكن عندها ترتيب المسؤوليات القانونية إذا توافرت شروطها. أما ترك الاتهامات معلقة في الفضاء الانتخابي، فلا يخدم أيا من الطرفين.
ماذا يعني الصمت؟
هنا تحديدا يصبح صمت النيابة العامة موضوعا بحد ذاته. ليس لأن الصمت يعني بالضرورة وجود انحياز، ولا لأن عدم فتح البحث يثبت صحة الاتهامات. وإنما لأن اختلاف التعامل مع تصريحات انتخابية متقاربة في طبيعتها يطرح سؤالا مشروعا حول المعايير التي تحكم تدخل النيابة العامة.
في 3 شتنبر، تحركت النيابة العامة بالقنيطرة بعد تداول تصريح الإبراهيمي بشأن احتمال استعمال أموال المخدرات للتأثير في الانتخابات. وبعد أربعة أيام، في 7 شتنبر، صدرت تصريحات السعدي في شيشاوة ضد خصومه السياسيين، ولم تستدع النيابة العامة صاحبها أو تستمع إليه بشأنها لحد الآن. وبينهما، تتواصل تصريحات المهاجري التي تتضمن اتهامات تتعلق ببرنامج حكومي وبشركات وبالمال العام.
هذه الوقائع الثلاث لا تعني أن الملفات الثلاثة متطابقة، ولا أن النتيجة القانونية يجب أن تكون واحدة بالضرورة. لكنها تضع أمام النيابة العامة والرأي العام سؤالا واحدا: ما المعيار؟
إذا كانت تصريحات المهاجري لا تتجاوز السجال الانتخابي، فإن من المفترض أن تنتهي المسألة إلى هذا الحد. أما إذا كانت تتضمن معطيات جدية حول صفقات وأموال عمومية وشركات واستعمال محتمل لمعطيات شخصية للمستفيدين من برنامج حكومي، فإن فتح بحث للتحقق منها يبدو، على الأقل، مسارا يمكن تبريره قانونا ومؤسساتيا.
وفي الحالتين، سيكون من الأفضل أن تكون النتيجة واضحة. لأن المشكلة في مثل هذه القضايا لا تكمن فقط في الاتهام، وإنما في بقاء الاتهام بلا جواب.
وإذا كان القضاء قد تدخل في حالة الإبراهيمي للتحقق من تصريح يتعلق بأموال المخدرات والانتخابات، فإن من حق الرأي العام أن يسأل عن مصير تصريحات أخرى تتعلق بالمال العام والصفقات والشركات والقرار السياسي.
وإذا كان السعدي قد أدلى في شيشاوة بتصريحات حادة ضد خصومه السياسيين من دون أن يستدعى أو يستمع إليه بشأنها، فإن ذلك يضيف سؤالا آخر حول اتساق المعايير.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بهشام المهاجري وحده، ولا بمصطفى الإبراهيمي أو لحسن السعدي، ولا بالصراع بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة. إنه يتعلق بمبدأ أبسط: إذا كان القانون واحدا، فمن المفترض أن يكون معيار تطبيقه واحدا أيضا.
ولهذا، فإن السؤال الذي يستحق جوابا واضحا ليس فقط: لماذا لا تحقق النيابة العامة في اتهامات هشام المهاجري؟ بل أيضا: لماذا تحقق في تصريح انتخابي دون آخر، ومن يحدد أين ينتهي السجال السياسي وتبدأ مسؤولية القضاء؟
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com