معاريف بريس- أخبار دولية
لم تكن تصريحات رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، التي استبعد فيها أي ضلوع أو تدبير رسمي مغربي في محاولات الهجرة الجماعية الأخيرة نحو مدينة سبتة، مجرد موقف دبلوماسي عابر لمجاراة الأحداث، بل جاءت لتكرس تحولاً هيكلياً عميقاً في إدارة ملف الحدود بين الرباط ومدريد.
يعكس هذا الموقف الإسباني المعلن نضجاً سياسياً وتجاوزاً لأسلوب الاتهامات المتسرعة الذي كان يطبع الأزمات المشابهة في سنوات مضت، حيث أظهرت التقييمات الأمنية والميدانية أن السلطات المغربية واجهت تدفقات غير مسبوقة بيقظة عالية وإجراءات استباقية صارمة للحد من الدعوات المحرضة التي انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي.
يتجاوز نفي سانشيز البعد الميداني المباشر ليلمس عمق الشراكة الاستراتيجية التي تربط الجانبين منذ إقرار خارطة الطريق الجديدة؛ إذ تدرك مدريد أن الانزلاق نحو الخطاب التصعيدي من شأنه أن يهدد مكتسبات التعاون الاقتصادي والأمني الوثيق، خاصة في ظرفية تتطلب أعلى مستويات التنسيق والانسجام تمهيداً للاستحقاقات المستقبلية الكبرى كالتنظيم المشترك لكأس العالم 2030. كما أن الدوائر السياسية الإسبانية أضحت أكثر فظناً لطبيعة الجيل الجديد من تحديات الهجرة، والتي باتت تعتمد على التجييش الرقمي وتستهدف الفئات الشابة والقصّار، مما يجعلها ظاهرة عابرة للحدود تتطلب معالجة شمولية ومسؤولة بدلاً من إلقاء اللائم على دول العبور.
قطع تصريح رئيس الحكومة الإسبانية الطريق أمام المحاولات الإعلامية والسياسية التي سعى أصحابها لاستغلال الواقعة بهدف إرباك العلاقات الثنائية وإعادة التوتر إلى الواجهة. إن المقاربة الحالية تبرهن على أن التعاون بين المغرب وإسبانيا انتقل من مرحلة “إدارة الأزمات” إلى مرحلة “الفهم الاستراتيجي المتبادل”، حيث يُنظر إلى أمن الحدود كمسؤولية تقاسمية تتطلب تعزيز التنسيق الدائم. ويظل هذا الموقف الإسباني مؤشراً حاسماً على ترسيخ الثقة بين العاصمتين، وتأكيداً على أن حماية استقرار منطقة غرب المتوسط تعتمد بالأساس على الشراكة الصادقة والبعيدة عن التوظيف السياسي قصير المدى.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com