صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

شقق إعادة الإيواء بالرباط: حينما يتحول الحق في السكن إلى سوق للابتزاز والمساومة

معاريف بريس – أخبار وطنية

 

تتواصل فصول المعاناة لعديد من الأسر المغربية المستهدفة ببرامج إعادة الإيواء بجهة الرباط-سلا-القنيطرة، لتكشف عن وجه آخر لبيروقراطية معقدة يتداخل فيها استغلال النفوذ بالفساد الإداري. ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تقدم مشاريع السكن الاجتماعي حلولا تحفظ كرامة المواطنين، يجد المستفيدون أنفسهم ضحايا لوبي غير رسمي يقوده بعض أعوان السلطة من مقدمين وشيوخ بتنسيق مع أطراف محلية، لتحويل شقق الاستفادة إلى تجارة مربحة تحت الطاولة.

مخزون متهالك وفرض الأمر الواقع

يتجلى هذا الوضع بوضوح في القطب التكنولوجي تامسنا، وامتداداته في عين عودة، الصخيرات، ومرس الخير. حيث يشتكي مواطنون من إجبارهم من طرف أعوان السلطة، وبتوجيهات محلية، على قبول شقق بعينها من بقايا مخزون شركة العمران. هذه الشقق التي عجزت الشركة عن تسويقها لسنوات لأسباب هيكلية أو بيئية – كشقق الطوابق الأرضية المعرضة للرطوبة والروائح الكريهة، أو تلك التي تفتقر للجودة المطلوبة- تصبح فجأة الخيار الوحيد والملزم للمواطن المستفيد من الهدم أو إعادة الإيواء.

المفارقة الصادمة هنا تتعدى مجرد رداءة المنتج؛ فشركة العمران، التي تأسست وتطورت بأموال دافعي الضرائب وكان يُفترض أن تكون ذراعا للدولة لدعم القدرة الشرائية، تحولت في كثير من المدن إلى منافس شرس للمنعشين العقاريين الخواص. بل إن سعر المتر المربع في شققها يتجاوز أحياناً أسعار القطاع الخاص، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول دورها الاجتماعي وغياب العائد على المواطن الذي يمول هذه المؤسسات من جيبه.

سياسة الحصار العقاري

تبدأ المعاناة الحقيقية حين يزور المواطن الشقة المفروضة عليه؛ ليكتشف أنها غير صالحة للسكن بالشكل الحالي وتتطلب إصلاحات جذرية ومكلفة تفوق طاقته المادية. هنا يجد المواطن نفسه محاصراً بين خيارين أحلاهما مر: إما قبول شقة متهالكة تتطلب ميزانية إضافية لإصلاحها، أو مواجهة تشرد وشيك، خاصة للقاطنين السابقين بأحياء صفيحية أو مهددة بالإفراغ كبعض قاطني حي المحيط بالرباط.

هذا الحصار النفسي والزمني يدفع المواطن مرغما إلى الدخول في مفاوضات غير قانونية. ولغة القانون هنا تتوارى لتفسح المجال للغة الدارجة والمساومة، حيث تصبح “التدويرة” و”الحزارة” للمقدم والقايد هي السبيل الوحيد للحصول على حق طبيعي، وهو معاينة خيارات متعددة واختيار الشقة المناسبة.

هذا الاختيار هو حق مشروع للمستفيد لأنه يساهم بنسبة مهمة من ماله الخاص في عملية الشراء، ولكن عند أي احتجاج، يواجه بالرد الجاهز من عون السلطة: “ليس من حقك الاختيار، هذا ما كاين”.

بورصة الإتاوات والمسكوت عنه

الخوف من الشارع يدفع الأغلبية الساحقة إلى الخضوع للابتزاز. ولم يعد سراً أن هناك بورصة شبه ثابتة للإتاوات التي تفرضها بعض الجهات النافذة محليا بتواطؤ مع أعوانها في تمثيليات الصخيرات، وعين عودة، ومرس الخير، حيث تؤكد الشهادات أن المبالغ المستهدفة لا تقل عن 5000 درهم كحد أدنى “للقائد” وسماسرته، وتتغير صعودا حسب طبيعة المنطقة، وحسب القيمة الاستراتيجية للموقع العقاري.

هذا النمط من الابتزاز لم يعد مقتصرا على ملف السكن وحده، بل امتد ليتغلغل كشرط غير رسمي لقضاء مآرب إدارية ورخص شتى، صارت معروفة عند القاصي والداني.

إن تحويل ملفات إعادة الإيواء الاجتماعي بالرباط وضواحيها إلى دجاجة تبيض ذهباً لبعض أعوان السلطة يضرب في العمق التوجيهات الرسمية الرامية إلى صون كرامة المواطن. وهي وضعية تستوجب فتح تحقيقات نزيهة من طرف المصالح المركزية لوزارة الداخلية ووزارة الإسكان، لمراقبة طريقة توزيع شقق مؤسسة العمران، وقطع الطريق على السماسرة، وإعادة الاعتبار للمواطن كشريك ممول لا كضحية مستضعفة.

ما حك جلدك إلا ظفرك

أمام هذا التغول العقاري والإداري، لا يجد المواطن نفسه عاجزا بالكامل؛ بل إن القوانين الحالية تتيح له آليات مباشرة لكسر حلقة الابتزاز دون الخضوع للمساومة. ويأتي على رأس هذه الآليات الرقم الأخضر المباشر لمحاربة الرشوة (0537718888) الذي تشرف عليه رئاسة النيابة العامة، والذي أثبت نجاعته في ضبط العديد من حالات الارتشاء وأعوان السلطة متلبسين بالابتزاز والمطالبة بـ”القهوة” في مناطق مختلفة.

بالإضافة إلى ذلك، تمثل البوابة الوطنية للشكايات (Chikaiaya.ma) أو التوجه المباشر إلى مصالح المفتشية العامة لوزارة الداخلية وسائل قانونية فعالة لتسجيل التجاوزات وضمان تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، مما يقطع الطريق على سماسرة الشقق ويحمي جيوب الفئات الهشة أو التي تحولت إلى هشة من الاستغلال.

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads