صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

تشريعات دمرت الأطفال والشباب.. وحولتهم حراس سيارات وفيديوات يهددون الاستقرار الاجتماعي

معاريف بريس – اخبار وطنية

 

يعيش المجتمع المغربي اليوم على وقع تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، أفرزت ديناميات متناقضة باتت تشكل تهديداً صريحاً للسلم الاجتماعي واستقرار النسيج المهني. فمن جهة، شهدت المدن المغربية تفاقماً لافتاً في انتشار المهن العشوائية وغير الهيكلية التي تبسط نفوذها على الفضاء العام؛ إذ تحول حراس السيارات من مجرد مقدمي خدمة إلى فرض إتاوات غير مشروعة تحت منطق الترهيب، وانتحال حراس  المقاهي والمطاعم والمهرجانات والأندية في مظاهر احتكار القوة خارج القانون، بينما يواصل الباعة المتجولون احتلال الملك العمومي وخلق بؤر للتوتر والبلطجة.

هذه المهن الهامشية، رغم أنها تمثل منفذاً فردياً للهرب من البطالة، إلا أنها تُبنى على حساب سلب راحة المواطنين وتقويض سيادة القانون، مما يخلق حالة مستمرة من الاحتقان اليومي وفقدان الثقة في الفضاء الشترَك.

وفي مقابل هذا الزحف للمهن العشوائية، يواجه المغرب خطراً داكناً يتمثل في الاندثار التدريجي للحرف التقليدية والمهارات اليدوية، كالميكانيك والنجارة والحدادة والبناء. وتعود هذه الأزمة إلى اختلالات مركبة، في مقدمتها سوء فهم الشباب والأسر لدور مراكز التكوين المهني، حيث يستمر التعامل معها في المخيال الجمعي كمسار بديل للفاشلين دراسياً بدلاً من كونها مشتلاً لإنتاج الكفاءات وركيزة للاقتصاد الوطني.

يضاف إلى ذلك التنزيل الحرفي للقوانين الدولية المناهضة لتشغيل الأطفال والمراهقين؛ ورغم المقصد النبيل لهذه التشريعات، إلا أنها استُوردت دون مراعاة للخصوصية الاجتماعية المغربية التي كانت تعتمد تاريخياً على “نظام المتعلم” داخل الورشات كمؤسسة للتنشئة والانضباط والتأهيل. ونتيجة لإبعاد القاصرين عن هذه الحرف دون ضمان استيعابهم كاملاً في المنظومة التعليمية، نشأت الفئات المعطلة التي حرمت الاقتصاد من خلفية حرفية متجددة، وأدت حتماً إلى تراجع مفهوم “الصنايعي”.

لقد أنتج هذا التقاطع بين انقراض الحرف وغياب التكوين جيلًا يعاني من أزمة هوية واقتطاع عن الجذور الاقتصادية، يرفض العمل الشاق لغياب التحفيز ولا يملك المهارة التي تضمن له العيش الكريم. وتتجسد خطورة هذه الأزمة في ظواهر الهجرة غير النظامية، ولا سيما موجات النزوح والاقتحام الجماعي لنقاط التماس في سبتة ومليلية، حيث يندفع شباب ويافعون فاقدون للمعنى والانتماء نحو مجهول آخر، فراراً من واقع الفراغ وتهميش المهارات. إن علاج هذه الأزمة يتطلب رؤية شمولية تعيد تقنين الفضاء العام وتدمج المهن العشوائية في أطر منظمة، إلى جانب ملاءمة القوانين لحماية القاصرين مع الاستفادة من التدرج الحرفي المراقَب، وتغيير النظرة المجتمعية للتكوين المهني للحفاظ على الهوية الحرفية وضمان الاستقرار الاجتماعي.

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads