صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

القفز إلى المجهول: أين تذهب أحلام الشباب؟

معاريف بريس – آراء ومواقف

 

إلى متى يظل جزء من شبابنا يركضون خلف حلم “العبور”، متوهمين أن الضفة الأخرى تفتح ذراعيها بالورود؟ وهل بات ركوب أمواج المجهول والمخاطرة بالروح والجسد هما الخيار الوحيد لتأمين غدٍ أفضل؟

المهدي بنسعيد وزير الشباب
المهدي بنسعيد وزير الشباب

 

إن أزمات التدفق المتكررة ونزوح طاقات شابة—بل وحتى أطفال—نحو النقط المتاخمة لسبتة المحتلة، لا تمثل مجرد مشهد عابر في نشرات الأخبار، بل تضع المجتمع بأكمله أمام سؤال إنساني ووطني مؤلم: ما الذي يدفع زهرة أعمارنا إلى القفز في العتمة؟

الواقع، بعيداً عن شعارات التجميل، يضعنا أمام مفارقة قاسية بين مسارين لشابين انطلقا من نفس ظروف الفقر والمعاناة:

 المسار الأول: شاب اختار أن يستثمر في المتاح ولو كان ضئيلاً؛ بدأ من الصفر، احتمل مشقة الطريق، وصبر على عثرات البدايات، فطوّر ذاته ومهاراته حتى تحوّل مشروعه البسيط إلى قصة نجاح ملهمة أنقذت أسرته من الحاجة إلى الغنى والتمكين هنا في وطنه.

 المسار الثاني: شاب سحرته أوهام “الفردوس الأوروبي”، وظن أن البحر أقصر الطرق لنيل ما يتمنى، فباع ما يملك ليركب أمواج المجهول، فكانت النهاية فاجعة: جسد طافٍ على المياه، وحسرة أبدية في قلب أم.

إن الفرق بين النجاح والمأساة لم يكن في صعوبة الظروف، بل في جهة الرهان: شابٌّ استثمر في عزيمته فصنع نجاحه من رحم الفقر في وطنه، وآخرُ راهن بحياته على وهم العبور فابتلعه البحر.

من ثقافة “الانتظار” إلى بيئة “الاستثمار”

لقد حان الوقت لتغيير المقاربة جذرياً؛ فلم يعد مجدياً ترك طاقات الشباب فريسة لفراغ المقاهي وأرصفة الشوارع، بل إن الحاجة أضحت ملحة لإيجاد حاضنات تفكير ومراكز توجيه وتكوين نوعي تأخذ بيد الشاب المغربي. نحن بحاجة إلى منصات رقمية وحاضنات حقيقية تتجاوز الاستماع السطحي إلى الفهم العميق، تحول أفكاره الشغوفة إلى مشاريع واعدة، وتجذب المستثمرين إليها، وتمنحه الآليات الكفيلة بصناعة فرصة عمله بنفسه بدلاً من انتظارها.

كما يجب العمل على تغيير تمثلات الشباب حول ما يسمى بـ “نعيم أوروبا”، وتوجيه طاقتهم نحو بناء مستقبلهم في وطنهم. وكل هذا يتطلب إصراراً وعزماً على تغيير ما بالأنفس، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾. فالتغيير الحقيقي يبدأ من الداخل: من الانضباط، والتعلم، وتطوير المهارات، وليس من القفز نحو المجهول.

مسؤولية مشتركة: بين الفساد المؤسساتي واستسلام الشباب

إن الأزمة لا تكمن في قسوة الظروف ولا في المدخول الشهري المنخفض وحده، بل في خلل مزدوج يُطوق قضية الشباب:

1. من جهة: تفشي المحسوبية والرشوة وسياسات تكتفي بالترقيع وبيع الفرص لمن يدفع، ما يغتال مبدأ تكافؤ الفرص ويدفع الكفاءات نحو اليأس.

2. ومن جهة أخرى: استسلام فئة من الشباب لثقافة “كل شيء بالزبونية”، فاستبدلوا عناء التعلم والانضباط بجلد الذات ورهان “فردوس أوروبا”، ظانين أن تأشيرة العبور ستعوض نقص المهارات.

لن يتغير هذا الواقع المؤلم بتبادل التهم ولا بالهروب نحو المجهول، بل باستفاقة الطرفين: مؤسسات تجتث الفساد وتستثمر بصدق في الإنسان، وشباب يدرك أن ضعف الدخل لا يُعالج بالاستسلام، بل بانتزاع الحقوق عبر التسلح بالمهارة والاجتهاد الذي يُجبر الجميع على احترام كفاءته.

يبقى السؤال الأخير الذي يفرض نفسه بقوة: إلى متى سنظل نبرر الفساد باستسلام الشباب، ونغطي على عجز الشباب بتفشي الفساد؟ أم أننا فضلنا جميعاً لعبة الانتظار حتى تبتلع الأمواج آخر طاقات هذا الوطن؟

م.اعلامية مبتدئة

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

أ

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads