صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

بين هجرة الثروات وغرق الأجساد…أين الحل ؟

معاريف بريس – أخبار وطنية

 

تُطرح قضية الهجرة غير النظامية، أو ما يُعرف مغاربياً بـ “الحرّاقة”، كواحدة من أكثر الأزمات المؤرقة والإنسانية قسوة في عصرنا الحالي.
غير أن مقاربة هذه الظاهرة بمعزل عن التدفقات المالية غير المشروعة تجعل الصورة ناقصة ومجتزأة؛ فالمرمى الحقيقي للمشكلة يكشف أن الشباب الحرّاقة لم يبدؤوا قطار الرحيل، بل جاءوا في الفصل الأخير من الرواية، محاولين اللحاق بثرواث ومقدرات سُبقوا إلى تهريبها نحو الضفة الأخرى.

تعتمد معادلة “الحرقة” في جوهرها على فارق زمني ونوعي شاسع بين شكلين من الخروج من الوطن؛ فهناك هجرة رأس المال التي تتم بسلاسة وهدوء عبر الحسابات البنكية المعقدة وتضخيم الفواتير والاستثمارات الاستعراضية في الخارج، حيث يخرج المال مستفيداً من عولمة تتيح له عبور الحدود بلا تأشيرة وبلا مخاطرة الموت غرقاً.

وفي المقابل، تأتي هجرة الأجساد برعونة اليأس عبر قوارب الموت، حيث يخرج الشاب بعد أن يكتشف أن الثروة التي كان مفترضاً أن تبني مستقبله وتصنع فرصته في وطنه قد “هاجرت” قبله بسنوات طويلة، ليكون المال هو من يهرب أولاً ليصنع الرفاهية هناك، والشاب يهرب لاحقاً ليلاحق خيط أمل في تلك الرفاهية ذاتها.

وتتجلى المفارقة الفائقة في كيفية تعاطي الخطاب العام والإعلامي مع الكيانين؛ فبينما يتم التعاطي مع تهريب الأموال غالباً كملفات تقنية أو قضايا مؤجلة تائهة في أروقة المحاكم، يُصوَّر الحرّاقة الشباب كخارجين عن القانون أو كعالة على مجتمعات الضفة الأخرى.

والحقيقة الساطعة هي أن عملية تهريب الثروات هي بالذات التي تنشئ البيئة الطاردة للبشر عبر تجفيف الاقتصاد المحلي، وإضعاف الأجور، وتدمير الخدمات العامة من تعليم وصحة، مما يجعل الشاب الحرّاق ليس سوى نتيجة طبيعية ومأساوية لعملية التجريف المالي التي سبقت وجوده على شاطئ البحر.

من هذا المنطلق، لا يمكن قراءة ركوب الشاب للبحر كأنه مجرد بحث عن عمل، بل هو في عمقه تسجيلٌ لاعتراض احتجاجي متأخر على عدم عدالة توزيع الفرص؛ لقد أدرك هذا الجيل أن قواعد اللعبة كُتبت بغيابه، وأن الأموال التي كان يمكن أن توفر له مصنعاً أو مستشفى أو فرصة عمل كرامة، تحولت إلى عقارات وحسابات فاخرة في عواصم القرار العالمي.
أصبحت عملية “الحراكة” بذلك محاولة عشوائية ومحفوفة بالخطر لاسترداد جزء من حق “مُهرَّب” يدرك الشاب أنه لن يراه في بلده الأصلي.

وفي الختام، يظل إغلاق الحدود وتشديد الحراسة البحرية مجرد حلول ترقيعية تنكأ الجراح ولا تطببها، لأن معركة الحد من نزيف الشباب لا تبدأ من مراقبة السواحل، بل تبدأ من إغلاق منافذ تهريب الثروات وتكريس الحكامة الشفافة والعدالة الاجتماعية. فطالما بقيت الأموال تسبق الشباب في الرحيل إلى الخارج، سيبقى الشباب يركبون المخاطر للحاق بها، حتى لو كان الثمن أجساداً تبتلعها أعماق المتوسط.

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads