معاريف بريس – أخبار وطنية
تواجه الدبلوماسية المغربية اليوم، في شقها المتعلق بمغاربة العالم، تساؤلات حارقة تفرضها المعاينة الميدانية الصادمة لواقع الحال؛ تساؤلات تتجاوز لغة الخشب والتقارير الوردية الجاهزة لتضع السيد ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، في قلب المساءلة السياسية والأخلاقية حول تدبيره لثلاث حقائب وزارية استراتيجية أثبت الواقع أن الجمع بينها تحول إلى عبء حقيقي يُدفع ثمنه من جيوب المغاربة ومنسوب ارتباط أبنائهم بالوطن.
إننا نعيش اليوم على وقع صيف “شبح” بامتياز؛ فبحلول الحادي عشر من شهر يوليوز، تكشف النوافذ والأبواب الموصدة لإقامات مغاربة العالم في مختلف المدن والمداشر المغربية عن حقيقة مرة لا يمكن حجبها بغربال البلاغات: هناك عزوف غير مسبوق، وغياب شبه تام للجالية إلا من قلة قليلة، مما ينذر بقطع حبل الوريد بين الوطن والجيل الجديد من أبنائه الذين باتوا يجهلون عن بلدهم الأصلي كل شيء.
أمام هذا المشهد القاتم، لا يمكن للمراقب إلا أن يفتح ملف “ميزانية قطاع المغاربة المقيمين بالخارج”، تلك الميزانية التي باتت تصنف في خانة “الميزانيات الشبح”. أين تصرف هذه الأموال؟ وفي أي القنوات تسرب؟ وأين هي البرامج والأنشطة والمسارات التوجيهية التي من المفترض أن تحصن أبناء الجالية من حملات التضليل والسموم التي يبثها أعداء الوطن على منصات التواصل الاجتماعي؟
إن الفشل الذريع في تدبير هذا القطاع الحيوي يجرنا مباشرة إلى طرح فرضيات أحلاها مر؛ فإما أن السيد ناصر بوريطة قد عجز تماماً عن استيعاب واستكمال البرامج الناجحة لأسلافه في حث الجالية على الارتباط بالوطن، وإما أن هناك “ذكاءً تدميرياً” تعمد تحويل وتذويب ميزانية هذا القطاع الحساس تحت مسمى “التعاون” بهدف الهروب من مساطر الرقابة المالية الصارمة وصرفها بعيداً عن أعين المحاسبة.
وتزداد علامات الاستفهام مأساوية حينما نكتشف أن الكاتب العام لهذا القطاع، والممسك الفعلي بخيوط هذه الميزانية، هو بالمناسبة شقيق السيد فوزي لقجع؛ وهي القرابة العائلية والنفوذ المتشابك الذي يبدو أنه يضع هذا المسؤول في منأى تام عن أي تفعيل حقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. هذا الوضع الشاذ يفسر بشكل صارخ غياب أو تغييب مفتشي وزارة المالية كمراقبين ماليين عهد إليهم حماية المال العام، مما جعل القطاع يتحول إلى “جزيرة معزولة” فوق القوانين والرقابة الجاري بها العمل.
إن منح شخص واحد سلطة التحكم في ثلاث حقائب وثلاث ميزانيات ضخمة، في ظل حماية عائلية ونفوذ مالي، لم يفرز سوى تداخل الاختصاصات وإفراغ الصناديق دون أثر ملموس على أرض الواقع.
إن الوضع الراهن لم يعد يحتمل الصمت، وبات الأمر اليوم معلقاً بانتظار ما سوف يتمخض عنه القرار الرسمي والحسم الملكي لوضع حد للفساد المستشري بهذا القطاع، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يتحول العزوف المؤقت إلى قطيعة نهائية تدفع ثمنها الأجيال القادمة.
أبو ميسون
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com