صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

بين زلزال بغداد ونموذج الرباط: متى تنتقل محاربة الفساد من “تطهير الرؤوس الكبيرة” إلى كسر قيود “الفراقشية”؟

معاريف بريس – أخبار وطنية

 

تعيش الساحة السياسية العربية على وقع مفارقة صارخة في التعاطي مع ملف الفساد ونهب المال العام، مفارقة تضع التجربتين العراقية والمغربية في كفتي ميزان يكشف بوضوح الفرق بين الإرادة السياسية الحقيقية في التطهير، وبين المقاربات الانتقائية التي تكتفي بتقديم “أكباش فداء” على المستوى المحلي.

ففي الوقت الذي تشهد فيه بغداد حملة غير مسبوقة تضرب في عمق الهرم السياسي، يراوح المغرب مكانه وسط سيادة مناخ تضارب المصالح وتغول فئة جديدة من مقتنصي الثروات السيادية، مما يطرح علامات استفهام حارقة حول جدية الشعارات المرفوعة.

لقد حملت الأنباء القادمة من العراق مؤشراً على تحول جذري في عقيدة الدولة لمواجهة آفة الفساد التي نخرت مؤسساتها لسنوات؛ إذ لم تعد المحاسبة مجرد شعارات استهلاكية، بل ترجمت إلى حملة قضائية وأمنية قوية أطاحت بما يقارب 120 مسؤولاً من الوزن الثقيل، شملت برلمانيين وبرلمانيات ووزراء سابقين وحاليين.

هذه الخطوة الجريئة حظيت بترحيب شعبي جارف وزخم إعلامي عراقي واسع، وعكست التلاحم الحقيقي بين المواطنين والحكومة الحالية التي تجرأت على فتح “علبة الباندورا” وملفات الفساد المفخخة دون خطوط حمراء.

إن ما يحدث في العراق اليوم هو إعادة بناء لجسور الثقة المفقودة بين الشعب والدولة، وتأكيد على أن القانون عندما يمتلك الإرادة، يمكنه أن يطال أعلى الرؤوس الهيكلية في منظومة الحكم.

وفي المقابل، وعلى الجانب الآخر من الخريطة، يبدو المشهد في المغرب مغرقاً في التناقض والانتظارية المقلقة. فمنذ تعيين حكومة عزيز أخنوش عام 2021، احتلت أخبار الفساد المالي والسياسي مساحات شاسعة في وسائل الإعلام الوطنية، وسط اتهامات مستمرة للحكومة بتسجيل أرقام قياسية في تضارب المصالح، وتسهيل السطو على المال العام عبر تشريعات وقرارات تخدم الرأسمال النافذ على حساب القوت اليومي للمغاربة.
لقد أفرزت هذه المرحلة جنساً جديداً من أثرياء الأزمات ومستفيدي الريع، والذين بات الشارع المغربي يطلق عليهم بكل تهكم ومرارة لقب “الفراقشية”—في إشارة بليغة إلى السطو الممنهج على مقدرات الشعب وميزانيات الدولة.

والمثير للدهشة والاستنكار، هو تحول وزراء ومسؤولين إلى مليارديرات يملكون ثروات فلكية وعقارات وإمبراطوريات مالية، في وقت تشير سيرهم الذاتية إلى أنهم لم يسبق لهم ممارسة أي مهنة حقيقية أو نشاط استثماري مشروع يبرر هذا الإثراء السريع والوقح.

أمام هذا الوضع المقلق، تأتي المقاربة المغربية في محاربة الفساد لتكرس التساؤلات بدل أن تجيب عنها. فبينما يرى المواطن المغربي حملات تشنها السلطات بين الحين والآخر، تظل هذه الضربات محصورة بدقة شديدة في استهداف رؤساء الجماعات الترابية والمستشارين المحليين، وكأن الفساد في المغرب هو شأن محلي قروي أو بلدي فقط.

عزيز اخنوش
عزيز اخنوش

 

وفي المقابل، تظل الحصانة غير المعلنة تحمي النواة الصلبة للإدارة والقرار؛ إذ غابت المحاسبة بشكل تام عن الكتاب العامين، والوزراء، والمدراء المركزيين في الوزارات والمؤسسات العمومية، برغم أن هؤلاء كانوا وما زالوا المحور الأساسي لتقارير إعلامية سوداء، ومحط تحقيقات ومذكرات برلمانية تفضح الاختلالات والصفقات المشبوهة التي تمرر تحت الطاولة.

إن المقارنة بين الديناميكية العراقية الحالية والجمود الانتقائي في المغرب تكشف خطورة التطبيع مع الفساد المؤسساتي. فالمطالب الشعبية في المغرب لم تعد تنطلي عليها مسرحيات إقالة رئيس جماعة ترابية هنا أو هناك للتغطية على المليارات المنهوبة في الصفقات الكبرى لوزارات حيوية.
إن محاربة الفساد ليست ترفاً سياسياً أو ورقة لتصفية الحسابات الانتخابية، بل هي قضية وجودية؛ وإذا لم تنتقل الدولة المغربية من مرحلة حماية “الحيتان الكبيرة” وتدليل “الفراقشية” السياسيين إلى مرحلة “الزلزال القضائي الشامل” على غرار ما تشهده بغداد، فإن الهوة بين المواطن والمؤسسات ستتسع إلى حد يصعب رأبه، ولن تفلح حينها مساحيق التجميل السياسية في إخفاء ملامح ريع وتغول يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads