صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

هل يملك القانون كبح جشع المقاهي في المدن الكبرى؟

معاريف بريس – أخبار وطنية

 

تتزايد التساؤلات والاحتجاجات في الآونة الأخيرة بين المواطنين في مختلف المدن المغربية، ولا سيما في الحواضر الكبرى كالرباط والدار البيضاء، حول الزيادات المتتالية والفجائية التي فرضتها بعض المقاهي على أسعار المشروبات والخدمات، وهو ما بات يمس بشكل مباشر القدرة الشرائية اليومية لشريحة واسعة من المجتمع التي تعتبر المقهى فضاءً للترويج الاجتماعي والعمل والترفيه.

وتتعالى الأصوات المطالبة بتحرك حازم وصارم من طرف الإدارات الحيوية، وعلى رأسها إدارة الضرائب والولايات والعمالات، لفرض رقابة جادة ومحاصرة ما يصفه الكثيرون بالجشع والاستغلال غير المبرر لأوقات الذروة والمناسبات الكبرى. إلا أن مقاربة هذا الملف وتنزيل هذه المطالب على أرض الواقع يصطدم بمنظومة قانونية واقتصادية معقدة تحتاج إلى تفكيك لفهم حدود تدخل الدولة ومسؤولية الأطراف المعنية.

من الناحية القانونية، يخضع قطاع المقاهي والمطاعم في المغرب لـقانون حرية الأسعار والمنافسة، وهو الإطار التشريعي الذي يمنع السلطات العمومية من تحديد أسعار السلع والخدمات في هذا المجال، تاركاً الأمر لآلية العرض والطلب لتحديد القيمة المالية للمشروبات.

وبناءً على هذا المبدأ الليبرالي، لا تمتلك الولايات والعمالات الصلاحية القانونية لمعاقبة صاحب مقهى أو فرض غرامة عليه لمجرد أنه قرر رفع أسعاره، ما دامت هذه الأسعار تخضع لمنطق السوق الحرة. غير أن هذه الحرية ليست مطلقة أو بدون ضوابط، فالقانون يلزم كافة المهنيين بشرط أساسي وهو “إشهار الأسعار”، أي وضع لائحة الأثمان في مكان بارز وواضح للزبون قبل الولوج أو الطلب، وفي حال ضبط لجان المراقبة الإقليمية التابعة للعمالات لأي مقهى يمتنع عن إشهار أسعاره أو يطبق أثمنة مغايرة لما هو معلن عنه، فإنها تتدخل فوراً لتسطير محاضر مخالفات وفرض العقوبات والغرامات المادية والقانونية الزجرية.

علاوة على ذلك، يبرز دور مجلس المنافسة كجهة رقابية عليا لحماية المستهلك والاقتصاد الوطني من أي ممارسات احتكارية أو غير شريفة، حيث يمنع القانون ما يُعرف بـ “شبهة التوافق” أو الاتفاق الجماعي المسبق. فإذا تبين للسلطات أن أرباب المقاهي في حي معين أو مدينة ما قد عقدوا اتفاقاً منسقاً وسرياً لتوحيد نسبة الزيادة وضمان تطبيقها بشكل جماعي، فإن هذا الفعل يعد ضرباً صريحاً لآليات المنافسة الحرة وشبهة ريعية تستوجب ملاحقة قضائية وغرامات مالية ثقيلة ضد الهيئات أو المهنيين المتورطين، لأن الأصل في القانون هو أن يتنافس كل محل بشكل منفرد بناءً على جودة خدماته وتكاليفه الخاصة.

أما على الصعيد الجبائي والضريبي، فإن مطالبة إدارة الضرائب بمحاصرة هذه الممارسات وتعميق المراقبة يلامس واقعاً حيوياً، إذ إن أي زيادة في الأسعار يفترض قانوناً أن تنعكس على رقم المعاملات الإجمالي للمحل وعلى هامش أرباحه المصرح بها.

وهنا يأتي دور المديرية العامة للضرائب في تفعيل آليات التدقيق والمراجعة الضريبية ومطابقة الفواتير، للتأكد من أن أصحاب المقاهي يؤدون الضرائب المباشرة والضريبة على القيمة المضافة بما يتوافق مع الأسعار الجديدة والمرتفعة التي يفرضونها على المواطنين، وذلك لمنع أي شكل من أشكال التملص الضريبي.

وفي المقابل، يبرر المهنيون وأرباب المقاهي هذه الزيادات بكونها رد فعل حتمي على الضغط الجبائي المتزايد، خاصة فيما يتعلق بالجبايات المحلية والرسوم التي تفرضها المجالس الجماعية على استغلال الملك العمومي واحتلال الأرصفة بالكراسي والطاولات، والتي شهدت مراجعات نحو الارتفاع في عدة مدن، إلى جانب الغلاء العام الذي طال المواد الأولية كالبُن والشاي والسكر ومصادر الطاقة.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة بين حرية السوق والآليات القانونية المتاحة، يبقى وعي المستهلك وسلوكه اليومي السلاح الأقوى والأكثر ح حسماً في ضبط الأسعار وحصار الجشع؛ إذ إن مقاطعة المحلات التي تبالغ في تسعيراتها أو تستغل الفترات الاستثنائية لفرض مبالغ خيالية، والتوجه نحو البدائل التي تحترم الزبون وتلتزم بقيم الجودة والسعر المعقول، من شأنه أن يجبر أرباب المقاهي على مراجعة حساباتهم والتراجع عن الزيادات العشوائية تحت وطأة الركود وتراجع المداخيل، لتظل معادلة التوازن الاقتصادي والاجتماعي رهينة بتكامل الرقابة الإدارية الصارمة مع اليقظة الاستهلاكية للمواطن.

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads