معاريف بريس – أخبار وطنية
شكل الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بالرباط في حق سعيد التورانتي، القاضي بإدانته بثلاثة أشهر حبساً موقوف التنفيذ وغرامة مالية نافذة قدرها 2000 درهم، نقطة تحول بارزة تتجاوز حدود المنطوق القضائي الصرف لتسائل عمق الممارسات السياسية والتشققات التنظيمية داخل المشهد الحزبي المغربي. وما يمنح هذه القضية أبعاداً بالغة التعقيد، ويثير حولها الكثير من علامات الاستفهام، ليس طبيعة العقوبة في حد ذاتها، بل هوية طرفي النزاع؛ فالشاكي والمشتكى به ينتميان اليوم إلى نفس البيت السياسي، وهو حزب الأصالة والمعاصرة، بعد أن كان التورانتي قد غادر قبل ثلاثة أشهر فقط صفوف التجمع الوطني للأحرار.
هذا المعطى يعيد إلى الأذهان سيناريوهات سابقة أسهمت في إسقاط نائب برلماني، مما يطرح فرضية قوية حول ما إذا كنا أمام تكتيك سياسي ممنهج يتخذ شكل “المصيدة” للأحزاب ومرشحيها، أم أن الأمر لا يعدو كون الصراعات الفردية الحادة باتت تعلو فوق الانضباط الحزبي والتوازنات التنظيمية.
إن قراءة المسار الانتقالي لسعيد التورانتي تكشف عن نمط سلوكي سياسي متكرر، يتسم بنقل الأزمات وتصدير الخلافات من بنية حزبية إلى أخرى. فعندما يتطابق السيناريو القضائي الحالي مع وقائع سابقة أدت إلى إطاحة قيادات في الحزب السابق، يخرج المشهد من دائرة الصدفة السياسية ليتحول إلى ظاهرة مدروسة.
تحول الفاعل السياسي إلى ما يشبه “اللغم الموقوت” داخل الهيئات المستقطبة يعكس أزمة حقيقية في آليات التدبير الداخلي للأحزاب؛ فإما أن يكون هذا الانتقال السريع والمشحون بالخلافات أداة غير مباشرة لإرباك القواعد الانتخابية للحزب الجديد وتشتيت قواه التنظيمية لصالح خصوم خارجيين، وإما أنه يترجم نزعة براغماتية مفرطة ترى في الدكاكين السياسية مجرد مظلات قانونية مؤقتة لتصفية الحسابات الشخصية وتحقيق التموقع الفردي، دون أي اعتبار للمشروع الفكري أو الأخلاقي للهيئة السياسية.
من هذا المنطلق، لا يمكن عزل هذه الواقعة عن مسؤولية الأحزاب السياسية نفسها، وتحديداً حزب الأصالة والمعاصرة في محطته الحالية وحزب التجمع الوطني للأحرار سابقاً. فالهرولة وراء استقطاب “الرحل السياسيين” وأعيان الانتخابات بناءً على حسابات رقمية ضيقة وقدرات حشدية، دون إخضاع الوافدين الجدد لعملية فحص دقيق وشامل لتاريخهم النزاعي واستقرارهم القانوني، يجعل هذه الأحزاب رهينة للصراعات الشخصية الضيقة.
الحكم الابتدائي الصادر في العاصمة الرباط، ورغم كونه خطوة أولى في مسار التقاضي القابل للاستئناف، يوجه ضربة رمزية قاسية لسمعة الهيئة السياسية التي ينتمي إليها الطرفان، ويظهر عجز مؤسسات الحزب التوفيقية عن احتواء النزاعات داخلياً قبل أن تفلت إلى ردهات المحاكم وتتحول إلى مادة للدعاية العكسية.
في هذا الشأن، يقدّم نموذج سعيد التورانتي درساً بليغاً حول مخاطر “الملفات عالية المخاطر” في سوق الانتقالات السياسية المغربية.
فبينما قد لا يرتقي الأمر بالضرورة إلى مؤامرة كلاسيكية مرسومة بدقة، إلا أنه يمثل بالتأكيد حالة صارخة لـعنصر غير قابل للاحتواء التوافق؛ فاعل ينقل معه فتيل أزماته أينما حل وارتحل.
وتبقى الخسارة الأكبر في هذه التفاعلات هي مصداقية العمل الحزبي أمام الرأي العام، حيث تساهم هذه النزاعات القضائية البينية في تكريس الصورة الذهنية التي ترى في العمل السياسي حلبة للمصالح الشخصية والمناورات القانونية، بدلاً من أن يكون رافعة للتنمية وخدمة المصلحة العامة.
أبو محمد أمين
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com