صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

خلفيات رفع الخلاف بين وزير العدل والمحامين إلى المقررة الأممية لحماية المهنة

معاريف بريس – أخبار وطنية

 

شهدت الساحة الحقوقية والسياسية في المغرب تحولاً نوعياً غير مسبوق في مسار الأزمة الممتدة بين وزارة العدل، في شخص وزيرها عبد اللطيف وهبي، والجسد المهني للمحاماة الممثل بـ “جمعية هيئات المحامين بالمغرب”.

فبعد سلسلة من الإضرابات، والوقفات الاحتجاجية، ومقاطعة الجلسات التي شلت مرفق القضاء لأسابيع، انتقلت المعركة التشريعية من ردهات البرلمان ومحيط الوزارة بالرباط إلى أروقة قصر الأمم بجنيف، إثر لجوء التنظيمات المهنية للمحامين إلى الآليات الدولية لحقوق الإنسان، وتحديداً إلى المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية باستقلال القضاة والمحامين.

هذا الانتقال من “الاحتجاج الوطني” إلى “التدويل الحقوقي” يطرح علامات استفهام كبرى حول مآلات منظومة العدالة بالمغرب، وحدود التوافق بين المقاربة التنظيمية للدولة والمبادئ الكونية لحصانة الدفاع.

ولا تنفصل هذه الأزمة عن “مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة” الذي طرحته وزارة العدل، والذي تعتبره الهيئات المهنية “ردة دستورية وحقوقية” تمس بالاستقلالية التاريخية للمهنة. وتتمحور نقاط الخلاف الأساسية حول رغبة الوزارة في بسط رقابتها على جدول المحامين عبر إحداث سجلات إلكترونية تتحكم فيها الإدارة، وهو ما يراه المحامون تطاولاً على الصلاحيات الحصرية لمجالسهم ونقبائهم.

كما تثير المقتضيات المتعلقة بضبط الجلسات، ومنع الوقفات الاحتجاجية داخل المحاكم، وإمكانية المتابعة التأديبية السريعة، مخاوف جدية لدى أصحاب البذلة السوداء من تصفية مفهوم “حصانة الدفاع” وتحويل المحامي من شريك في العدالة إلى مرؤوس إداري، ناهيك عن السجال المحتدم حول تقليص اختصاصاتهم في تحرير العقود وفرض شروط تعاقدية جديدة تصفها الوزارة بآليات لتعزيز الأمن التعاقدي ويراها المهنيون تكبيلاً لممارستهم الحرة.

ويمثل رفع الخلاف إلى المقرر الخاص للأمم المتحدة خطوة استراتيجية من طرف المحامين تهدف إلى نقل المعركة من الطابع النقابي الفئوي إلى الطابع الحقوقي الكوني، وإحراج الحكومة المغربية أمام المنتظم الدولي.

وقد استندت المذكرات المرفوعة إلى الآليات الأممية على “مبادئ هافانا الأساسية بشأن دور المحامين”، لا سيما تلك التي تؤكد على ضرورة ممارسة المحامين لمهامهم دون ترهيب أو عائق أو تدخل غير لائق. بالمقابل، لا تبدو وزارة العدل في موقف دفاعي محض؛ إذ سارع الوزير إلى توظيف ذات المرجعيات الدولية لتبرير مشروعه، مؤكداً أن المبدأ الخامس والعشرين من ذات الاتفاقية ينص على التعاون بين الروابط المهنية والحكومات لضمان ولوج عادل للعدالة، مما يعني من المنظور الحكومي أن الدولة تبقى الضامن النهائي لحسن سير المرفق القضائي ومكافحة التجاوزات.

إن وصول الأزمة إلى رادارات المنتظم الأممي سيرتب كلفة سياسية وحقوقية واضحة على مشهد العدالة؛ فهو يضع التزامات المغرب الحقوقية تحت المجهر، ويرشح الملف لصدور نداءات عاجلة أو رسائل استفسار من المقررة الأممية للسلطات المغربية حول مدى تلاؤم مشروع القانون مع المعايير الكونية، مما قد يعمق العزلة التشريعية للوزارة ويزيد الضغط على الغالبية الحكومية لفرملة المشروع تفادياً لانفجار حقوقي. وعلى المستوى المرفقي اليومي، فإن استمرار هذا التشنج يهدد بمزيد من شلل المحاكم وضياع مصالح المواطنين والمتقاضين الذين باتوا الحلقة الأضعف والضحية المباشرة لغياب قنوات الحوار الحقيقي.

وفي نهاية المطاف، أظهرت هذه الأزمة أن المقاربة الأحادية القائمة على فرض القوانين بقوة المقتضيات الرقمية والإدارية لم تعد مجدية أمام قطاعات مهنية تمتلك وعياً قانونياً وتاريخاً نضالياً طويلاً كالمحاماة.

إن التدويل الأممي للملف ليس غاية في حد ذاته، بل هو صيحة إنذار تؤكد أن المخرج الوحيد للأزمة لا يمر عبر التصعيد الميداني ولا عبر كواليس جنيف، بل عبر طاولة حوار وطني جاد يعيد صياغة مفهوم الشراكة في منظومة العدالة؛ فاستقلالية المحاماة ليست امتيازاً فئوياً للمحامين، بل هي الضمانة الدستورية الأساسية لحماية حقوق المواطنين والدفاع عن حرياتهم، وضبط هذه الاستقلالية يجب أن يتم بقوانين تُصنع بالتوافق، لا بالإملاء.

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads