صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

أشرف حكيمي ضحية سماسرة الإعلام القضائي بفرنسا

معاريف بريس – اخبار رياضية

حين نلج عتبات المحاكم، تُطالعنا العبارة الأزلية المكتوبة بخط كوفي عريض: “العدل أساس الملك”. صورة نمطية ترسخت في الأذهان عن جدران صامتة، قضاة بعباءات سوداء وقار، وموازين لا ترجح إلا بكفة الأدلة المادية وصريح القوانين. لكن خلف هذا الستار المهيب، لطالما دارت معارك موازية يُديرها لاعبون لا يملكون صفة قضائية، لكنهم يملكون القدرة على توجيه الأحكام.

بينما نشتكي في منظومتنا المحلية من تغول ما يُعرف بـ “سماسرة المحاكم” الذين يتحركون في الظل، تشهد الضفة الأخرى من المتوسط، وتحديداً في فرنسا، ولادة جيل جديد من السماسرة: إنهم “سماسرة الإعلام القضائي”. الجوهر واحد والهدف مشترك، لكن الأداة تطورت من “المقهى الخلفي” إلى “البلاتوه التلفزيوني”.

في بيئتنا المحلية، ارتبطت “السمسرة القضائية” تاريخياً بشبكات وسيطة تعمل في الخفاء. السمسار هنا هو كائن “كواليسي” بامتياز؛ يتغذى على العلاقات، يبيع الأوهام والنفوذ للمتقاضين، ويحاول اختراق حصون العدالة عبر ممرات المحسوبية أو الارتشاء.

هذا النوع من السمسرة، رغم خطورته ومحاربته المستمرة، يظل محصوراً في إطار “الفساد التقليدي”، حيث يظل الصراع سرياً، وتعتمد أدواته على اللقاءات المكتومة والمبالغ المتبادلة في الظلام لتغيير مجرى ملف رائج.

و في المقابل، شهد القضاء الفرنسي في العشر سنوات الأخيرة تحولاً جذرياً غير من ملامح العدالة. فمع انفجار حركات مناهضة الاعتداءات الجنسية مثل (Me Too) ونسختها الفرنسية (BalanceTonPorc)، تخلت باريس عن “ثقافة التكتم” وحماية الحياة الخاصة للمشاهير، لتسقط الحصانة عن نجوم الفن والرياضة والسياسة—من جيرار ديبارديو إلى أشرف حكيمي.

لكن هذا التحول أفرز ظاهرة “سمسرة الإعلام القضائي”. السمسار هنا لم يعد فرداً يبحث عن رشوة، بل أضحى مؤسسة إعلامية، أو منصة رقمية، أو جمعية ضغط. هؤلاء لا يقابلون القضاة في مكاتبهم، بل يمارسون عليهم “إرهاباً فكرياً ونفسياً” عبر الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي.

عبر تسريب المحاضر السرية، وصياغة عناوين مثيرة، وصناعة هاستاغات موجهة، يتم إطلاق “محاكمات شعبية” علنية.

في هذا المناخ المشحون، يجد القاضي الفرنسي نفسه تحت ضغط مرعب؛ فإصدار حكم بالبراءة قد يعني “انتحاراً مهنياً وشعبياً” له، واتهامه بمهادنة النفوذ والنجومية، بينما يمثل حجز موعد الإدانة استجابة لـ “دفتر تحملات الشارع”.

فرنسا ليست غريبة على التأثير الإعلامي في القضاء؛ فالتاريخ يذكر جيداً قضية البستاني المغربي عمر الرداد عام 1991، وكيف لعب الإعلام والبروباغندا آنذاك دوراً في توجيه الاتهام إليه عبر العبارة الشهيرة “Omar m’a tuer” قبل استكمال التحقيقات المادية.

اليوم، يتكرر السيناريو مع النجوم؛ حيث يُساق المتهم إلى المقصلة الرمزية مجرداً من أقدس حقوقه القانونية: “قرينة البراءة”. فاللاعب أو النجم يواجه “إعداماً مدنياً” وإلغاءً لعقوده الاستثمارية بمجرد توجيه التهمة وقبل أن تنطق المحكمة بكلمتها الفصل.

النتيجة: اغتيال القانون الجاف

إن المقارنة بين سماسرة المحاكم في المغرب وسماسرة الإعلام القضائي  في فرنسا تكشف مفارقة صارخة:

 الأولى: تفسد العدالة في الظلام عبر شبكة مصالح ضيقة.

 الثانية: تغتال العدالة تحت الأضواء الكاشفة باسم “الحق في المعرفة” والضغط الشعبي.

في كلتا الحالتين، يُقصى القانون الجاف وتُحيّد الأدلة العلمية، ليحل محلهما “ميزان القوى”. وإذا كان إصلاح القضاء محلياً يتطلب تجفيف منابع المحسوبية والسمسرة الكلاسيكية، فإن حماية العدالة دولياً باتت تتطلب كبح جماح البروباغندا الإعلامية التي تحاول تحويل محاريب القضاء إلى حلبات “السوشيال ميديا” و”تيك توك”.

ويبقى السؤال المعلق بوجه المنظومتين: أيهما أشد فتكاً بالعدالة؛ سمسار مستتر يشتري ذمة، أم سمسار علني يوجه وعي مجتمع بأكمله؟

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads