معاريف بريس – أخبار وطنية
يطرح المشهد الحزبي المغربي اليوم تساؤلات حارقة تتجاوز مجرد القلق العابر إلى الشك الوجودي في جدوى التنظيمات السياسية الحالية.
ومع اقتراب كل محطة انتخابية، تعود “الأسماء” ذاتها لتتصدر المشهد، وكأن المغرب بلد “عاقر” لا ينجب إلا هذه الوجوه، أو كأن المعاهد العليا والجامعات المغربية، التي تضخ سنوياً آلاف الأطر والكفاءات، توجد في كوكب آخر غير كوكب مجمع احزاب فقط قاعات تضج بموائد الأكل مثلا ب “بوزنيقة” ، غير الأفكار والتوجيه والتأطير مثلما عليه الاتحاد الاشتراكي في العهدة الرابعة للوالد وأبناءه ادريس لشكر، بدعم الرفيقات بين قوسين، والتجمع الوطني للأحرار الذي وجد الرئيس محمد شوكي نفسه مقيدا بلوبيات تغلق الأبواب في وجه أي تجديد.
وكذلك بالنسبة “ل” عبد الرحيم بوعيدة، الذي يبكي اليوم رفض نزار بركة منحه تزكية للترشح للاستحقاقات التشريعية 2026، ما الفائدة من عودته، وهو صنع له برلمانا افتراضيا في مواقع التواصل الاجتماعي، بحثا عن بوز ومال الادسنس، وتعويض مالي على تمثيليته البرلمانية… لعب دراري هذا !


المتأمل في كواليس المؤتمرات الحزبية الأخيرة، يجد نفسه أمام “مسرحية” متكررة؛ جمهور يتم استقدامه وإلباسه “زياً حزبياً” ظرفياً، ليهتف بأسماء لا يربطه بها فكر ولا برنامج.
هؤلاء الشباب والمنخرطون يتم استغلالهم كـ”كومبارس” لتأثيث الفضاء وإعطاء شرعية رقمية لقيادات تفتقر للرؤية والمستقبل.
الحقيقة المرة هي أن هذا الجمهور، في غالبيته، لا يملك من أمره شيئاً، ويجد نفسه ضحية “احتيال سياسي” ناعم، حيث يُسرق صوته في صناديق الاقتراع ليتحول إلى امتيازات ومناصب لنخب لا ترى في العمل السياسي سوى وسيلة للاغتناء السريع.
الأخطر في هذه المعادلة، هو وضع “شباب زيد” (الجيل الحالي) الذي وجد نفسه خارج أي إطار حزبي حقيقي يحترم ذكاءه وطموحه.
وأمام هذا الإقصاء الممنهج للكفاءات، برزت ظاهرة مقلقة: المراهنة على دعم الـ 25 مليون سنتيم المخصص للترشح للانتخابات.
هذا الدعم، وإن كان يخضع قانونياً لرقابة صارمة وتقديم الفواتير، إلا أنه يعكس أزمة عميقة؛ فحين يصبح المحفز المالي هو الدافع الوحيد للترشح، نكون أمام “مقاولات انتخابية” لا “نخب سياسية”. إننا نغامر بخلق جيل من السياسيين “الفواتيريين” الذين يتقنون ملء الاستمارات والتحايل القانوني، بدلاً من إتقان فن التدبير العمومي وخدمة الصالح العام.
وفي سياق الحديث عن النزاهة والضمير، لا يمكننا إغفال نماذج بشرية تعيش بيننا، تعكس عمق الأزمة الأخلاقية التي تسربت لبعض المؤسسات. نروي هنا قصة “موظف” (نتحفظ عن ذكر اسمه ومؤسسته)، منحته مؤسسته التشريعية ، فرصة العمر: تذكرة سفر للحج مع مبلغ مالي محترم.
بدلاً من أن تكون هذه الرحلة تطهيراً للذات وتقديراً للأمانة، اختار هذا الموظف “الاختفاء” في مسكنه، موهماً الجميع بأنه يؤدي الشعائر، لكن “إرادة الله” كانت أقوى، فانفضح أمره وظهرت “الحجة الوهمية”.
ورغم أن إدارته اكتشفت الأمر حدث التكتم، إلا أن هذه الواقعة تلخص مأساة “النخبة” التي تستفيد من الامتيازات دون استحقاق، وتغش في أقدس المواقف.
إن المغرب ليس عاقراً؛ فالمقاهي والشوارع والشركات والجامعات تعج بكفاءات وطنية قادرة على قلب الموازين. العقم الحقيقي يسكن “المقرات الحزبية” التي أوصدت أبوابها أمام الأطر، وفتحتها أمام “أصحاب الشكارات” و”محترفي التصفيق”.
إن الاستمرار في سياسة “تجميل العقم” بالوجوه القديمة، والمراهنة على شباب يبحث فقط عن “دعم الدولة” للترشح، هو مقامرة بمستقبل الوطن.
لقد حان الوقت لكسر هذه الدائرة المفرغة، وإعادة الاعتبار للسياسة كفعل أخلاقي ومسؤولية وطنية، لا كصفقة تجارية تنتهي بتقديم الفواتير للمجلس الأعلى للحسابات بعد الإعلان عن نتائج الاستحقاقات.
ف.الرفاعي
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com


