معاريف بريس – المشهد البرلماني
شهدت الجلسة العمومية الأخيرة بمجلس النواب فصلاً جديداً من فصول التردي في تدبير الشأن المؤسساتي، بطلها رئيس المجلس راشيد الطالبي العلمي، الذي يبدو أن “حساسيته” من الفكر والإبداع السياسي بلغت مداها.
ففي لحظة كان يُفترض أن تكون للاحتفاء بالإنتاج الفكري البرلماني، اختار العلمي لغة “المقاطعة السخيفة” لمحاصرة النائب عبد الله بوانو، في مشهد يعكس هوة سحيقة بين ثقافة “المعرفة” وعقلية “الضبط للمعمل السري” بتطوان.
حين عرض النائب عبد الله بوانو كتابه الجديد -الذي يوثق لأداء التشريع ، والحكومة، قاطعه العلمي بملاحظة تفتقد للعمق السياسي، بدعوى أن الكتاب “ليس من إنتاج البرلمان”.
وهنا نطرح السؤال الجوهري: هل تحول البرلمان في عهد العلمي إلى مجرد “إدارة” للمصادقة على النصوص، أم أنه فضاء لتمثيل الأمة وإنتاج الأفكار؟
البرلماني في الدول ذات السيادة، وفي عرف الدساتير الديمقراطية، ليس “موظفاً” يأتمر بأوامر الإدارة، بل هو “مؤسسة قائمة بذاتها” تنتج، وتبدع، وتشرع. وعبد الله بوانو، حين يبدع في تأليف كتاب يلخص ممارسة الحكومة والبرلمان، فإنه يمارس أرقى أنواع المراقبة البرلمانية والتوثيق التاريخي، بعيداً عن عقلية “الشركات” التي لا تتقن سوى لغة الأرقام والربح، ولو على حساب استغلال الفقراء في “النوار” مثلما فعل راشيد الطالبي العلمي بالفقراء بتطوان.
لم يتوقف الأمر عند حدود المقاطعة اللفظية، بل انتقل إلى “سلوك جسدي” يعكس عدم تقدير للموقف وللشخص وللمعرفة.
فبمجرد تسلمه الكتاب فوق المنصة، قام الطالبي العلمي برمي الكتاب بطريقة مهينة لا تليق بمقام رئيس مؤسسة تشريعية، قبل أن يعود لاحقاً لتصفحه “افتراضياً” في محاولة بائسة لتدارك الحرج.
إن هذا التصرف يكشف بالملموس الصراع القائم تحت قبة البرلمان بين تيارين:
1. تيار المعرفة: الذي يمثله بوانو، الساعي لتطوير العمل البرلماني عبر التأطير الفكري والتوثيق.
2. تيار “الاستعلاء السياسي”: الذي يرى في الكتاب والإبداع خطراً على “الستاتيكو” القائم، ويفضل عقلية الاستغلال على عقلية الإبداع.
لا يمكن مقارنة الجهل السياسي بالمعرفة الحقة. فالبرلماني الذي يمثل الأمة هو مبدع بطبعه، وإنتاجه الفكري هو ملك للمؤسسة وللوطن. أما محاولة حصر “الإنتاج البرلماني” في الأوراق الرسمية الممهورة بخاتم الإدارة، فهي قمة الضحالة السياسية التي لا تؤمن بأن السيادة تُمارس أيضاً عبر الفكر والكلمة المكتوبة.
لقد “أدّب” بوانو رئيس الجلسة، ليس بالصراخ، بل بقوة الحجة وعمق الإنتاج، تاركاً للعلمي “خفة” السلوك ورمي الكتب، في مشهد سيبقى وصمة عار في سجل رئاسة هذه الولاية التشريعية. إن البرلمان يحتاج إلى “عقول” تدرك قيمة الفكر، لا إلى “حراس” يخشون من غلاف كتاب!
أبو ميسون
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com


