معاريف بريس – أخبار دولية
بينما كانت أجراس الكنائس في الجزائر تتهيأ لقرع التحية لزيارة البابا “ليو الرابع عشر” التاريخية، هزّ دويّ الانفجارات مدينة البليدة، ليعيد إلى الأذهان مشهداً أمنياً ظن الكثيرون أنه وُوري الثرى.
لكن هذا “الاختراق” في توقيته ومكانه، لم يكن مجرد هفوة أمنية بقدر ما بدا وكأنه “رسالة سياسية” مشفرة، كُتبت بدخان التفجيرات لتُقرأ في أروقة الفاتيكان قبل قاعات قصر المرادية.
الصمت المريب الذي خيّم على وسائل الإعلام الرسمية الجزائرية تجاه عملية البليدة لم يكن مجرد “تعتيم” كلاسيكي، بل هو انعكاس لحالة من الضعف البنيوي الذي يشعر به النظام.
إن استقبال ضيف بوزن بابا الفاتيكان بعبوات ناسفة على بُعد كيلومترات قليلة من العاصمة، يضرب في الصميم سردية “الاستقرار المطلق” التي يحاول النظام تسويقها.
هذا التكتم الرسمي يشي بأن السلطة وجدت نفسها في مأزق: فإما الاعتراف بالفشل في تأمين زيارة هي الأهم دبلوماسياً هذا العام، أو المضي في سياسة “الإنكار” لضمان عدم خدش الصورة الخارجية، وفي كلتا الحالتين، تبدو ملامح “النظام المهتز” واضحة خلف بريق البروتوكولات الاستقبالية.
فرضية “الصحراء المغربية”: معركة التحجيم الاستباقي
تطرح التساؤلات نفسها بقوة حول خلفيات هذا التوقيت؛ فهل كانت عملية البليدة “فزّاعة” أمنية وُضعت في طريق البابا لثنيه عن أي تقارب محتمل مع الرؤية المغربية في ملف الصحراء؟
تُشير القراءات الجيوسياسية إلى أن النظام الجزائري، الذي يرى العزلة الدولية تضيق حول أطروحته في هذا الملف، لجأ إلى استراتيجية “التحجيم السياسي”. من خلال خلق جو من “التوتر المحكوم”، يتم إرسال رسالة مضمرة للكرسي الرسولي مفادها أن المنطقة “برميل بارود” لا يحتمل أي انزياح دبلوماسي أو تصريح قد يُفهم منه دعم لمغربية الصحراء أو لمبادرة الحكم الذاتي.
إنها محاولة لفرض “إقامة جبرية سياسية” على تصريحات البابا، وحصر أجندته في العموميات الروحية بعيداً عن الملفات السياسية الشائكة التي يخشى النظام أن يفقد فيها آخر أوراقه الدولية.
إن لجوء النظام إلى سياسة التعتيم على الإرهاب في عزّ الزخم الدبلوماسي يعكس شعوراً عميقاً بـ “النقص في الشرعية”. فالنظام الذي يشعر بالقوة لا يخشى مواجهة الحقيقة، بل يستثمر فيها لتعزيز جبهته الداخلية.
أما الصمت، فهو سلاح الضعفاء الذين يخشون أن يؤدي أي “خرم” في السردية الرسمية إلى انهيار الهيكل الدعائي بالكامل.
في نهاية المطاف، قد يغادر البابا الجزائر وهو يحمل هدايا تذكارية وصوراً لـ “التسامح”، لكنه بالتأكيد سيحمل معه انطباعاً عن نظام يصارع لإثبات وجوده، ويستخدم الفوضى الأمنية كدرع يحتمي خلفه من رياح التغيير الدبلوماسي التي تهب من الجوار.
لقد أرادت الجزائر استقبال البابا كقوة إقليمية، فاستقبلته كدولة تخشى من وقع “الكلمة الحق” في ملفات لا تقبل القسمة على اثنين.
أبو ميسون
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com


