معاريف بريس – أخبار وطنية
دخلت المنطقة منعطفاً استراتيجياً هو الأخطر منذ عقود، مع إعلان الإدارة الأمريكية البدء الفعلي في تنفيذ حصار بحري شامل يستهدف الموانئ الإيرانية، في خطوة لم تعد تكتفي بلغة العقوبات الاقتصادية “الورقية”، بل انتقلت إلى حيز التنفيذ الميداني بواسطة القوة البحرية الضاربة.
هذا التحول الدراماتيكي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء كترجمة فورية للانسداد التام الذي شهدته أروقة المفاوضات المباشرة في العاصمة الباكستانية إسلام أباد، حيث اصطدمت طموحات الانفراج الدبلوماسي بجدار المطالب التعجيزية والمواقف المتصلبة بين الوفدين الأمريكي والإيراني.
إن فشل لقاء إسلام أباد، الذي جرى بوجوه مكشوفة ومستوى تمثيل رفيع، أعطى الضوء الأخضر لواشنطن للانتقال من سياسة “الضغط الأقصى” إلى سياسة “الخنق الشامل”، وهي استراتيجية تهدف بوضوح إلى تجفيف منابع العملة الصعبة عبر منع تصدير النفط بشكل قطعي، وشل حركة الاستيراد السلعي لرفع كلفة الصمود الداخلي إلى مستويات غير مسبوقة. الدلالة العميقة لهذا الحصار تكمن في كونه “إعلان حرب اقتصادية بصبغة عسكرية”، حيث تسعى واشنطن من خلاله إلى تحييد التهديد الإيراني دون الانزلاق إلى مواجهة صاروخية مباشرة قد تشعل المنطقة بأكملها، مراهنة في ذلك على سلاح الوقت والجوع التكنولوجي والمالي.
ومع قفز أسعار النفط العالمية وتزايد القلق في أسواق الطاقة، يبدو أن النظام في إيران بات أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما العودة لطاولة المفاوضات بتقديم تنازلات سيادية مؤلمة تمس صلب برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي، أو المضي قدماً في سياسة حافة الهاوية التي قد تؤدي إلى انفجار اجتماعي داخلي نتيجة الانهيار الوشيك للقدرة الشرائية.
إن المشهد الحالي يثبت أن الدبلوماسية التي فشلت في إسلام أباد قد أخلت الساحة تماماً لقعقعة السلاح البحري، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لإدارة أزمة قد تعيد رسم خارطة التوازنات في الشرق الأوسط، وسط إصرار أمريكي على جعل الحصار أداة لتركيع الاقتصاد وتحويله إلى ورقة ضغط نهائية لحسم ملفات ظلت عالقة لسنوات طويلة.
معاريف بريس htpps://maarifpress.com