معاريف بريس – أخبار دولية
بقلم: ميسون رفاعي
تعيش الأسواق الطاقية العالمية على وقع صدمة عنيفة عقب إغلاق مضيق هرمز في مارس 2026، وهو الشريان الذي يتدفق عبره خمس إمدادات النفط العالمي.
وفي ظل قفزات أسعار “الخام” وتصاعد التوترات الجيوسياسية، يطرح المتابع للشأن المغربي تساؤلاً منطقياً: لماذا لا يتجه المغرب نحو الجارة الليبية، صاحبة أكبر احتياطي إفريقي، لتأمين احتياجاته الطاقية بعيداً عن تقلبات الخليج؟
رغم القرب الجغرافي الذي يربط المغرب بليبيا، إلا أن استيراد النفط الليبي يصطدم بواقع سياسي مرير. فالقطاع النفطي في ليبيا لا يزال يعاني من “تذبذب هيكلي” نتيجة الصراعات الداخلية على الموارد، مما يجعل من الصعب بناء استراتيجية أمن طاقي مغربية تعتمد على مصدر يفتقر للاستقرار في الإنتاج والتدفق.
إن المغرب يحتاج إلى ضمانات تموين طويلة الأمد، وهو ما لا تستطيع طرابلس توفيره بشكل مطلق في ظل المشهد الراهن.
وبعيداً عن السياسة، تبرز عقبة تقنية تتمثل في نوعية “الخام”. فالنفط الليبي (الخفيف الحلو) يختلف في خصائصه الكيميائية عن المزيج الذي اعتادت المصافي الدولية المتعاقدة مع المغرب التعامل معه.
إن تحويل مسار الإمدادات يتطلب وقتاً وتعديلات تقنية لوجستية لا تتماشى مع الطابع الاستعجالي الذي تفرضه أزمة إغلاق “هرمز” في ربيع 2026.
وفي ظل الأزمة الراهنة، تحول النفط الليبي إلى هدف استراتيجي للقوى الأوروبية الكبرى التي تسعى لتعويض النقص الحاد.
هذا التكالب الدولي أدى إلى رفع سقف المنافسة السعرية، مما جعل الحصول على حصص إضافية من النفط الليبي يتطلب مفاوضات معقدة تتجاوز منطق الجوار الإقليمي إلى منطق “لمن يدفع أكثر” في سوق عالمية مشتعلة تجاوز فيها البرميل حاجز الـ 120 دولاراً.
كما تتعالى تساؤلات في الأوساط الاقتصادية حول ما إذا كانت الحكومة المغربية قد “تخلت” طواعية عن خيار النفط الليبي لتغطية الخصاص، أم أن الأمر مجرد رضوخ لإكراهات التكلفة.
الحقيقة تكمن في معادلة معقدة؛ فالحكومة تدرك أن “الفاتورة” لا تقتصر على سعر البرميل، بل تمتد لتشمل تكاليف التأمين البحري الباهظة ومخاطر العقود “قصيرة الأمد”.
إن هذا “الزهد” قد يُقرأ كقرار استباقي لتجنب الوقوع في فخ التبعية الطاقية الهشة. فالمغرب يفضل حالياً المراهنة على موردين يضمنون “استدامة الإمداد” بعقود سيادية واضحة، بدلاً من الدخول في مغامرة غير محسومة العواقب مع طرف قد يغلق صماماته في أي لحظة نتيجة صراع داخلي، مما قد يترك السوق الوطنية في مواجهة شلل طاقي لا تحمد عقباه.
في سياق ذلك، لا تزال الرباط تنهج استراتيجية “تنويع المخاطر”. فبدلاً من الارتهان لمصدر طاقي واحد، يركز المغرب على تعزيز مخزونه الاستراتيجي من مصادر متعددة، مع تسريع وتيرة الانتقال نحو الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.
إن أزمة هرمز 2026 أثبتت من جديد أن “السيادة الطاقية” لا تتحقق بالقرب الجغرافي فحسب، بل بالاستثمار في البدائل المستدامة والتحالفات الاقتصادية المتنوعة.
وفي الختام، تبقى ليبيا عملاقاً طاقياً نائماً يحتاج إلى استقرار شامل ليلعب دوره كخزان إقليمي.
وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل المغرب يوازن بين إكراهات الجغرافيا السياسية وبين ضرورة تأمين “شريان الحياة” لاقتصاده عبر استراتيجيات استباقية تتجاوز الحلول السهلة أو العابرة.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com


