صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

الوكالات القروية: نحو جيل جديد من السياسات الترابية في المغرب

معاريف بريس – أخبار وطنية

 

في كل مرة يفتح فيها نقاش التنمية في المغرب، تتجه الأنظار سريعا إلى المدن الكبرى، إلى أوراشها المتسارعة ومشاريعها المهيكلة. غير أن سؤالا جوهريا يظل مطروحا بإلحاح: ماذا عن العالم القروي؟ ذلك الفضاء الواسع الذي يحتضن جزءا مهما من هوية المغرب، ويشكل في الآن ذاته رافعة أساسية للاقتصاد الوطني ومصدرا رئيسيا للموارد الطبيعية والإنتاج الفلاحي.

ورغم الجهود التي بذلت خلال السنوات الأخيرة، من خلال برامج فك العزلة، وتعميم الخدمات الأساسية، ودعم الفلاحة التضامنية، فإن العالم القروي ما يزال يعيش نوعا من المفارقة: فهو غني بالإمكانات، لكنه يعاني من اختلالات بنيوية في التخطيط والتنمية. ويعود ذلك، في جزء كبير منه، إلى غياب رؤية ترابية متكاملة، قادرة على تحويل هذه الإمكانات إلى دينامية تنموية مستدامة.

لقد اعتمدت السياسات العمومية، لسنوات طويلة، على مقاربة قطاعية في تدبير قضايا المجال القروي. فكل قطاع يشتغل وفق أولوياته الخاصة: الفلاحة، التجهيز، الماء، التعليم، الصحة… غير أن هذا التعدد، رغم أهميته، غالبا ما يفتقر إلى التنسيق الترابي الشامل، الذي يجعل من المجال القروي وحدة تنموية مندمجة بدل أن يظل مجرد فضاء لمشاريع متفرقة ومحدودة الأثر.

كما أن الجماعات القروية، ورغم ما أتاحه ورش الجهوية المتقدمة من صلاحيات جديدة، ما تزال تعاني من ضعف الإمكانات التقنية والموارد البشرية، وهو ما يحد من قدرتها على بلورة تصورات استراتيجية فعالة للتهيئة والتنمية المحلية، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى بطء إنجاز المشاريع أو غياب رؤية واضحة لاستثمار المؤهلات المتاحة.

في هذا السياق، يبرز التفكير في إحداث وكالات قروية كخيار استراتيجي واعد، على غرار الوكالات الحضرية، ولكن بمنطق جديد يتجاوز التعمير نحو التنمية المجالية الشاملة. فالمجال القروي لا يحتاج فقط إلى تأطير عمراني، بل إلى مؤسسة قادرة على التخطيط، والتنسيق، والمواكبة، والاستشراف.

ويمكن لهذه الوكالات أن تضطلع بعدة أدوار محورية، من بينها إعداد مخططات تهيئة قروية تراعي الخصوصيات الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية لكل منطقة، وتنسيق تدخلات مختلف القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية، ومواكبة الجماعات القروية تقنيا في إعداد وتنفيذ مشاريعها، فضلا عن تشجيع الاستثمار في السياحة القروية والصناعات المحلية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وحماية الموارد الطبيعية وضمان استدامة استغلالها، خاصة في المناطق الجبلية والواحات.

إن الرهان في هذا التصور لا يقتصر على إحداث بنية إدارية جديدة، بل يتعلق بإرساء آلية فعالة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجال القروي، على أسس أكثر انسجاما ونجاعة. فالقضية في جوهرها هي قضية عدالة مجالية، حيث لم يعد مقبولا أن تستمر الفوارق بين المدينة والقرية بهذا الحجم، في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها البلاد.

كما أن تعزيز الحضور التخطيطي في العالم القروي من شأنه أن يفتح آفاقا جديدة للاستثمار المحلي، ويشجع بروز أقطاب اقتصادية قروية صغرى مرتبطة بالاقتصاد الجهوي، قائمة على تثمين الموارد المحلية بدل استنزافها، ويعيد الثقة في قدرة هذه المجالات على خلق فرص العيش الكريم، بما يحد من الهجرة نحو المدن ويعزز الاستقرار الاجتماعي.

واليوم، ومع ترسخ ورش الجهوية المتقدمة وتزايد الوعي بأهمية التنمية الترابية المتوازنة، يبدو إحداث وكالات قروية خطوة طبيعية في مسار تطوير السياسات العمومية. غير أن نجاح هذا الورش يظل رهيناً بشروط أساسية، من بينها وضوح الرؤية الوطنية للتنمية القروية، وتوفير صلاحيات فعلية لهذه الوكالات في مجال التخطيط والتنسيق، إلى جانب تمكينها من الموارد المالية والبشرية اللازمة، وضمان تكامل عملها مع الجهات والجماعات الترابية ضمن منظومة حكامة منسجمة.

إن المستقبل التنموي للمغرب لن يبنى فقط داخل المدن الكبرى، بل كذلك في القرى، حين تتحول من مجالات للهشاشة أو الهجرة إلى فضاءات للإنتاج والابتكار والاستقرار. ومن هنا، فإن الوكالات القروية، إذا ما أُحدثت برؤية واضحة وإرادة قوية، قد تشكل منطلق جيل جديد من السياسات الترابية، عنوانه: مغرب متوازن، تُصان فيه كرامة المجال القروي، ويُدمج في صلب الدينامية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

ذ.دحمان المزرياحي

رئيس مركز ابن بطوطة للابحاث و الدراسات القانونية.

معاريف بريسHtpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads