“إدارة مجلس النواب تحاصر الصحفيين: كيف تحولت ‘بطاقة الولوج’ إلى أداة لتدجين الإعلام؟”
معاريف بريس – اخبار وطنية
تثير التحركات الأخيرة لإدارة مجلس النواب نحو التضييق على مصادر المعلومة تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة المتوترة بين المؤسسة التشريعية والجسم الصحفي، وهي علاقة يبدو أنها قد انحرفت عن مسارها الطبيعي القائم على الشفافية والمساءلة، لتستقر عند ضفاف “الهندسة التحكمية” للمشهد الإعلامي داخل المؤسسة.

إن محاولة البحث عن المصادر أو حصرها ليست في جوهرها إجراءً تنظيمياً تقنياً كما قد تُسوق له الإدارة، بل هي استراتيجية متكاملة لتقنين تدفق المعلومات، وإخضاع الفعل الصحفي لمنطق الرقابة القبلية، في وقت تفتقر فيه هذه المؤسسة إلى آليات ديمقراطية حقيقية لضمان حق الوصول إلى الخبر.
وما يزيد من حدة هذا التوجه هو الشعور السائد بأن المؤسسة قد نجحت، إلى حد كبير، في استتباع جزء من الإعلام عبر أدوات “ناعمة” بدت في ظاهرها احتفاءً بالمهنة، كجائزة الصحافة البرلمانية، لكنها في باطنها لا تعدو أن تكون شكلاً من أشكال الرشوة السياسية الرمزية التي تهدف إلى تدجين الأقلام وتوجيه بوصلة النقد بعيداً عن كواليس القرار… أمثال بعيوي، والناصيري، ومحمد مبدع، الذين قدمت لهم ادارة المجلس خدمات بمنع الصحافيين المهنيين، ليحولوا ردهات البرلمان إلى نقطة لقاء البزناسة… ما كان ينقصهم سوى محل SPA ، الذي تسييره شقيقة موظف بمجلس النواب بحي الرياض!، ولما لا قد يكونون زبناء سابقين قبل ولوجهم السجن.
إن هذه الجائزة، بمقاييسها غير المعلنة أو الانتقائية، خلقت ولاءات جديدة داخل الجسم الصحفي، مما أدى إلى تفتيت وحدة الموقف الإعلامي تجاه ممارسات المؤسسة التشريعية، وجعلت من الصحفيين المتلقين لها “حراساً” غير مباشرين لمصالح الإدارة تحت غطاء المهنية.
بالتوازي مع ذلك، برز اعتماد بطاقة الولوج الخاصة بالصحافيين كأداة إقصائية بامتياز، إذ أصبحت هذه البطاقة تمنح -أو تُسحب- بناءً على “حسن السلوك” أو التوجه التحريري الذي يخدم الرواية الرسمية للمجلس.
وبدلاً من أن تكون المؤسسة فضاءً للنقاش العام والتعددية، تحولت بفعل هذه الإجراءات إلى “مختبر لصناعة إعلام التفاهة”، حيث يتم انتقاء عناصر إعلامية تفتقر إلى العمق التحليلي والقدرة على النبش في الملفات المعقدة، ليتم إحلالها محل الصحافة الاستقصائية التي باتت تشكل تهديداً وجودياً لمصالح مراكز النفوذ البرلماني.
إن النتيجة المباشرة لهذه السياسات هي تغييب تام للمساءلة، وتحويل البرلمان إلى منصة للعرض السياسي الباهت بعيداً عن أية رقابة صحفية وازنة.
إن ما يشهده المجلس اليوم ليس مجرد “تنظيم مهني”، بل هو عملية إجهاز ممنهج على الدور الرقابي للصحافة، حيث يتم استبدال السلطة الرابعة بـ “سلطة صدى الصوت” التي تردد ما تمليه الإدارة، وتغرق الرأي العام في تفاصيل شكلية هامشية تحجب الرؤية عن القضايا الجوهرية.
وبناءً على ما سبق، يغدو لزاماً على الجسم الصحفي الواعي أن ينتفض ضد هذه المحاولات، ليس دفاعاً عن امتيازات الولوج، بل دفاعاً عن جوهر الديمقراطية التي لا تستقيم في ظل مؤسسة تشريعية تخشى “المصدر” الحر، وتغري “الصحفي” بالجوائز، وتصنف “الإعلامي” ببطاقات الولوج، لتصنع في النهاية مشهداً إعلامياً طيعاً يمارس التفاهة عوضاً عن ممارسة النقد.
إن الحقيقة التي يغفلها صناع القرار في البرلمان هي أن الصحافة عندما تُلجم، لا تصمت بل تتحول إلى طاقة سلبية تعزز الفجوة بين المواطن والمؤسسة، مما يفرغ العملية الديمقراطية من محتواها، ويحول البرلمان إلى هيكل مؤسساتي فارغ لا يصله من نبض الشارع إلا ما يُسمح بمروره عبر “بطاقات الولوج” والجوائز المسمومة.
ف.الرفاعي
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com


