معاريف بريس – أخبار وطنية
إن المشهد السياسي المغربي وهو يهرول نحو استحقاقات 2026، لا يعيش مجرد مرحلة انتخابية عادية، بل يمر بـ “لحظة اختبار” حاسمة لشرعية المؤسسات.
وبينما تنشغل الصالونات السياسية بحسابات التزكيات وتوزيع المقاعد، تغيب عن الأنظار الحقيقة الكبرى: إن التحالفات السياسية لما بعد 2026 لن تُحسم داخل صناديق الاقتراع فحسب، بل ستُحسم في مدى قدرة الدولة على فرض “قواعد لعبة” جديدة تنهي زمن “المرونة مع الفساد” تحت ذريعة الاستقرار الحكومي.
وفي هذا السياق، تكتسي التصريحات الرسمية لوزير الداخلية، التي شددت على ضرورة تخليق الحياة السياسية وتطهير الحقل الحزبي والبرلماني من الفساد، أهمية بالغة؛ فهي استجابة لانتظارات شعبية ملحة طالما طالبت بالقطع مع الممارسات الريعية. هذا التوجه يكتسب طابعاً استعجالياً بالنظر إلى “الرصيد المخجل” للولاية التشريعية الحالية، التي شهدت اعتقالات ومتابعات قضائية لأكثر من 30 برلمانياً، وهو رقم قياسي يضع الهيئة الناخبة أمام مسؤولية جسيمة لتجاوز “التصويت العقابي” نحو “التصويت الواعي”.
لقد أصبحت هذه الاعتقالات هاجساً حقيقياً للمواطن الذي يتساءل: كيف لمؤسسة التشريع أن تكون حاضنة لمنتخبين يُفترض أنهم يمثلون الأمة، بينما هم غارقون في ملفات الفساد؟
إن هذا الواقع يضع الأحزاب أمام حتمية “التطهير الاستباقي” للوائح مرشحيها قبل الاستحقاقات، لتفادي حرج الطعون القانونية التي قد تباشرها وزارة الداخلية كعمل استباقي لتحصين البرلمان.
لقد أثبتت التجربة أن التحالفات التي لا تستند إلى مرجعية أخلاقية تتحول سريعاً إلى “جبهات لحماية المصالح”. إن التلويح بـ “الاستقرار” كغطاء للتغاضي عن تضارب المصالح هو استراتيجية قصيرة النظر، فقد أدت إلى تآكل الثقة الشعبية ودفعت كتلة ديمغرافية واسعة نحو العزوف.
إن “ثورة الحكامة” المطلوبة اليوم تتطلب أن تدرك الأحزاب أن زمن “ترشيح من يدفع أكثر” أو “من يملك النفوذ لخدمة الصفقات” قد ولى، وأن التنقية الاستباقية للوائح هي أضعف الإيمان لاستعادة مصداقية العمل السياسي.
إن جوهر الإشكالية في انتخابات 2026 لا يكمن في مَن سيقود التحالف، بل في طبيعة “النخب” التي ستفرزها الأحزاب. فبدون “تطهير المنبع” من الفساد الحزبي، وبدون استجابة الأحزاب لمنطق التخليق الذي تفرضه وزارة الداخلية، ستظل التحالفات المقبلة مجرد “إعادة تدوير” لنفس المنطق الذي أنهك الإدارة العمومية.
إن التزام الدولة بفرض “قواعد اللعبة” الجديدة، بالتوازي مع تنقية الأحزاب للوائحها، يظل المدخل الوحيد لاستعادة المصداقية؛ وهذا يتطلب جرأة سياسية تتجاوز “الحسابات الحزبية” لتضع مصلحة الوطن وسيادة القانون فوق كل اعتبار.
إن أي تحالف لا يضع “التخليق” في صلب برنامجه، ولا يجرؤ على ممارسة المحاسبة الذاتية، سيجد نفسه محاصراً بـ “جيل زد” الذي لا يكترث بالخطابات الخشبية، بل ينتظر شفافية مطلقة. إن التاريخ لا يرحم الأنظمة التي تضحي بمصداقيتها لحماية “أغلبيات” هشة؛ فالمرحلة المقبلة تتطلب معماراً سياسياً جديداً يقوم على الكفاءة والنزاهة، بعيداً عن منطق الصفقات الذي أفرغ العمل الحزبي من جوهره الوطني.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com


