معاريف بريس – أخبار وطنية
في عالم الدبلوماسية المعاصرة، لم تعد القوة تُقاس بحجم الحناجر أو بكثافة البيانات المتشنجة، بل بالقدرة على صياغة الواقع فوق الأرض وفي صمت المكاتب المكيفة التي تُدار فيها كبريات الملفات السيادية، وهنا يبرز الفارق الجوهري بين مدرستين في الجوار؛ مدرسة مغربية اختارت “دبلوماسية الصمت المنتج” كمنهج لبناء دولة أمة تمتد جذورها في عمق التاريخ، ومدرسة جزائرية سقطت في فخ “دبلوماسية الفوضى والعربدة” التي تحاول عبثاً حجب شمس النجاحات المغربية بغربال الشعارات الجوفاء، إن نجاح المغرب في انتزاع اعترافات دولية متتالية بمغربية الصحراء، وتتويج رجالات دولته بصفة “شخصية العام” في قلب القارة الإفريقية، كما حدث مع المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة في باماكو، لم يكن وليد الصدفة، أو ضربة حظ، بل هو الثمرة الطبيعية لعمل مؤسساتي هادئ يفضل النتائج على الأضواء، ويؤمن بأن القوة الحقيقية تكمن في “الرزانة” لا في “الاستعراض”.
في المقابل، يتابع العالم “عربدة” دبلوماسية للجارة الشرقية تعيش حالة من التيه الاستراتيجي، حيث تحولت سياستها الخارجية إلى مجرد رد فعل متشنج على كل حركة مغربية؛ فإذا فتح المغرب قنصلية، سارعت الجزائر لسحب سفير، وإذا مد المغرب جسور التعاون مع إفريقيا، لجأت هي لأساليب الترهيب الطاقي أو قطع العلاقات، في سلوك يفتقر لأدنى أبجديات الرؤية الاستراتيجية، هذا التباين الصارخ يكشف أن المغرب يبني “محور استقرار” قاري بذكاء هادئ وقوة ناعمة تخترق العقول والقلوب، بينما يغرق النظام الجزائري في عزلة اختيارية نتيجة “دبلوماسية الفوضى” التي لا تجيد سوى خلق الأزمات وصناعة بؤر التوتر، إن مدرسة “الصمت المغربي” التي يمثلها رجالات الملك الأوفياء، أثبتت أن بناء الجسور يتطلب حكمة الكبار، بينما أثبتت عربدة الجار أن الصراخ هو السلاح الوحيد لمن فقد بوصلة المستقبل، فبينما يشيّد المغرب “الصحراء المغربية” كقطب دولي للتنمية تحت السيادة الكاملة، تكتفي الجزائر بالوقوف على أطلال أيديولوجيات بائدة، لتظل الحقيقة الساطعة هي أن الصمت حين يكون منتجاً، يصبح أقوى من كل ضجيج، وأن دولة المؤسسات هي التي تبتسم في النهاية حين تحصد ثمار صبرها الاستراتيجي.
بقلم: فتح الله الرفاعي
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com