معاريف بريس – أخبار وطنية
تداولت بعض الأوساط ومواقع التواصل الاجتماعي ادعاءات وشائعات تربط بين الأحداث الأخيرة للتدفقات الحدودية غير النظامية نحو مدينة سبتة وبين أطراف خارجية، وفي مقدمتها الزج باسم إسرائيل كطرف مُحرّض أو ممول لهذه الموجات. وتفتقر هذه السرديات إلى الأدلة المادية والتحليل السياسي الموضوعي، حيث تُدار ملفات الهجرة عبر الحدود الإسبانية-المغربية بناءً على تعقيدات اجتماعية واقتصادية وميدانية ومواقف سياسية معلنة، بعيداً عن نظرية المؤامرة.
تُظهر الحقائق الميدانية أن حركة الهجرة غير النظامية عبر الجيوب الشمالية ترتبط بعوامل هيكلية وميدانية أثبتتها التقارير الأمنية والدولية على مدى عقود. وتتجسد أبرز هذه العوامل في الدوافع السوسيواقتصادية المتمثلة في الرغبة بتحسين الظروف المعيشية والبحث عن فرص عمل داخل أوروبا، إلى جانب تأثير الشائعات الرقمية وشبكات التهريب التي تنشط عبر منصات التواصل الاجتماعي بنشر معلومات مضللة تتزامن مع شائعات فتح الحدود. كما تلعب الطبيعة الجغرافية والحدودية دوراً حاسماً، بكون سبتة ومليلية نقطتي العبور البريتين الوحيدتين بين إفريقيا والاتحاد الأوروبي، مما يجعلهما عرضة لضغوط ديموغرافية مستمرة.
من جانب آخر، تقوم العقيدة الأمنية والسياسية الإسرائيلية على مبادئ محددة تُكذب ادعاءات التدخل في تحريض المهاجرين، وفي مقدمتها التركيز على حماية المواطنين والمصالح الاستراتيجية؛ حيث تتركز السياسات الأمنية والدفاعية لإسرائيل في المقام الأول على صيانة أمن مواطنيها وحمايتهم أينما وجدوا في العالم، والتعاون الاستخباري والدبلوماسي مع الدول الشريكة لمكافحة الإرهاب والتهديدات العابرة للحدود، وليس الانخراط في توجيه موجات الهجرة السرية. كما ترتبط إسرائيل بعلاقات وشراكات استراتيجية ودبلوماسية رسمية مع العديد من الدول، وتستند هذه العلاقات إلى الاحترام المتبادل لسيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية أو إدارة حدودها، إضافة إلى غياب أي مصلحة استراتيجية في إشاعة الفوضى الحدودية بين شمال إفريقيا وجنوب أوروبا، إذ إن التوترات الحدودية تعرقل التعاون الدولي والأمني الذي تحرص الدول على ترسيخه.
وتأتي هذه المزاعم في خضم سجالات إعلامية شهدت انتقادات متبادلة على منصات التواصل الرقمي عقب أزمة الهجرة في سبتة، حيث استغلت بعض الأطراف والحسابات الرقمية التوتر السياسي الناجم عن الخلافات الحزبية والدبلوماسية لإطلاق حملات إعلامية مضادة وتوظيف حدث الهجرة في السجال السياسي. غير أن هناك انفصالاً تاماً بين التراشق الرقمي والواقع الميداني؛ فالتصريحات أو التغريدات الناقدة الصادرة عن شخصيات سياسية أو إعلامية تدخل في إطار السجال السياسي العلني، ولا تترجم بأي حال من الأحوال إلى عمليات ميدانية أو تحريض لآلاف الشباب على مخاطرة العبور البحري أو الجداري.
تؤكد المعطيات الميدانية والتحليلات الجيوسياسية أن ظاهرة الهجرة عبر سبتة ومليلية هي ملف إنساني وأمني معقد محكوم بديناميات محلية وإقليمية قائمة منذ عقود. وإقحام أطراف خارجية في مسألة تحريض الشباب لا يعدو كونه محاولة لتوجيه الرأي العام وتغليف الأزمات الديموغرافية بسرديات المؤامرة بعيداً عن معالجة أسبابها الواقعية.
ف. الرفاعي
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com