معاريف بريس – إراء ومواقف
لم تكن قاعة المؤتمر، في تلك اللحظة المفصلية، مجرد فضاء تنظيمي لمراجعة الأوراق السياسية، بل تحولت إلى مسرح تراجيدي كُتبت فصوله بدموع لم يكن أشد المتفائلين يتوقع ذرفها بتلك الحرقة.
حين أُعلن عن تنحية “الكفيل” عزيز أخنوش، لم يسقط مجرد اسم من هرم السلطة الحزبية، بل سقطت معه مظلة سياسية ومرحلة كاملة من الاستقواء بالنفوذ المالي والسياسي.

وفي قلب هذا المشهد، خطف راشيد الطالبي العلمي الأضواء بنحيبٍ تجاوز حدود اللياقة البروتوكولية، ليعكس انكساراً نفسياً وجودياً لرجلٍ ظل لسنوات يرى في ظلال أخنوش ضمانة بقائه في واجهة الأحداث.
تلك الدموع التي بللت مناديل “الرجل القوي” في الحزب لم تكن تعبيراً عن وفاء شخصي فحسب، بل كانت نداء استغاثة صامت يعلن نهاية زمن “الحماية” وبداية عصر اليتم السياسي.
لقد كانت عدوى البكاء التي اجتاحت القاعة تصويراً حياً لحالة الصدمة التي أصابت “النواة الصلبة” المستفيدة من عهد أخنوش؛ فالمشهد لم يكن جنازة سياسية لزعيم راحل بقدر ما كان جنازة للمصالح التي كانت تُدار تحت عباءته.
إن بكاء الطالبي العلمي، بكل ما يحمله من رمزية، هو إقرار ضمني بأن المشروع الذي بُني على قاعدة “الشخص الواحد” و”المال القائد” قد اصطدم بصخرة الواقع، تاركاً وراءه أيتاماً سياسيين لا يملكون اليوم سوى العاطفة لمواجهة عواصف التغيير القادمة.
هذا النحيب الجماعي داخل القاعة المظلمة كشف عن هشاشة البنيان الحزبي الذي ينهار بمجرد غياب “المركز”، حيث تبخرت لغة الأرقام والوعود الكبرى لتحل محلها شهقات الانكسار، في مشهد سيسجله التاريخ كإعلان رسمي عن نهاية حقبة “التمكين المطلق” والخروج من الباب الضيق للسياسة، حيث لا يشفع البكاء لمن جعل من “الكفالة” منهجاً للحكم ومن “الولاء للأشخاص” بديلاً عن الوفاء للمبادئ.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com