صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

من”خريف” إدريس البصري إلى “شتاء” عزيز أخنوش…هل أنهى جيل Z مع أسطورة الرجل القوي؟

معاريف بريس  – أخبار وطنية

من راكم تجربة في تغطية أشغال البرلمان، يقف مذهولا لمجريات الأحداث، ففي لحظة كانت تعقد جلسة عمومية بمجلس النواب للغرفة الثانية التي كان يرأسها صديق ادريس البصري جلال السعيد، وبينما كان مستشارين وبرلمانيين ووزراء وصحافيين في مقهى البرلمان، توقف البث بعد أن أذيع خبر إقالة ادريس البصري، وهو الخبر الذي نزل كالصاعقة على فراقشية ادريس البصري، منهم جلال السعيد الذي أوقف الجلسة بعد تعرضه للضغط، وطلب الحامض ووضعه على أذنيه، وهو ما حدث لفراقشية عزيز أخنوش الذي أعلن التنحي من رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، وعدم ترشحه للانتخابات.

ادريس البصري يوجّه تعليمات للتلميذ عزيز اخنوش
ادريس البصري يوجّه تعليمات للتلميذ عزيز اخنوش

 

التاريخ يسجل

إقالة إدريس البصري (1999) وتنحية (أو نهاية مسار) عزيز أخنوش من رئاسة الحزب (2026)، هي مقاربة بين “نهاية عهد” و”تحول مرحلة”.

من “أم الوزارات” إلى “رئاسة الحكومة”: مسلسل نهايات رجال الثقة

السلطة في المغرب ليست ثابتة، بل تخضع لمنطق “المراحل”. إدريس البصري كان رمزاً لمرحلة “بناء الدولة وتثبيت الأركان” في عهد الحسن الثاني، بينما عزيز أخنوش يمثل مرحلة “الليبرالية الاقتصادية وتكنوقراطية السياسة” في عهد الملك محمد السادس.

الزلزال والتحول

• إدريس البصري: جاءت إقالته في 9 نونبر 1999 كأول قرار ضخم في العهد الجديد (العهد المحمدي). كانت إشارة قوية لنهاية “سنوات الرصاص” وبداية “المفهوم الجديد للسلطة”.

• أما تنحية عزيز أخنوش -شئنا أم لا نشأ- غالباً ما تُقرأ في سياق “الفشل في تدبير الأزمات الاجتماعية” أو “انتهاء صلاحية النموذج الاقتصادي”، الذي فشل فيه فشلا ذريعا.

أسباب “السقوط” أو “التنحي”

• في حالة البصري: كان هناك تعارض بنيوي بين عقليته القديمة ورؤية الملك المواطن (محمد السادس) المنفتحة على حقوق الإنسان والحداثة. السقوط كان سيادياً بقرار ملكي مباشر لتدشين عهد جديد.

• في حالة أخنوش: المحرك الأساسي هنا هو الشارع والمؤشرات الاقتصادية. الغلاء، أزمة الوقود، واتهامات تضارب المصالح. التنحي هنا سيكون “امتصاصاً لغضب شعبي” أو “إعادة ترتيب للبيت السياسي” قبل انتخابات قادمة.

  1.  الرمزية السياسية  للتنحي

إقالة البصري كانت تعني موت “التسلط” بمفهومه التسلطي. أما تنحية أخنوش (أو تراجع دوره) فتعني فشل “السياسوية الاقتصادية” في تدبير الشأن العام، والعودة لنمط من التدبير يركز على البُعد الاجتماعي أكثر من الأرقام الصماء.

العبرة من المسارات

المؤسسة الملكية في المغرب تظل هي الثابت الأول، بينما “الرجال الأقوياء” هم متغيرات تخدم أجندة زمنية محددة. رحيل البصري كان ضرورة ديمقراطية، ورحيل/تغيير أخنوش ضرورة اجتماعية لإنقاذ المغرب من أزمات، واحتجاجات شعبية.

ادريس البصري
ادريس البصري

 

 بين  اقالة البصري إلى  “الاحتراق السياسي” “ل”عزيز 

في تاريخ السياسة المغربية، لا تُقاس قوة الرجال بطول بقائهم في الكرسي بقدر ما تُقاس بلحظة خروجهم منه.

فإذا كانت إقالة إدريس البصري في خريف 1999 قد مثلت “زلزالاً سياسياً” أنهى حقبة كاملة، فإن الحديث اليوم عن مآل عزيز أخنوش (سواء بالتنحي أو التراجع) يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يتغير “الرجال الأقوياء” في المغرب كلما تغيرت “حاجة الدولة”؟

البصري: هندسة الخوف وبناء الدولة

لقد كان إدريس البصري أكثر من وزير داخلية؛ كان “مهندس” المرحلة بامتياز. استمد قوته من ضبط الإدارة الترابية ومنحه لقب “أم الوزارات”. في عهده، كان الأمن هو الأولوية، والولاء هو العملة الوحيدة المقبولة. لكن رحيله لم يكن مجرد قرار إداري، بل كان إعلاناً عن انتهاء صلاحية “عقلية الضبط” لفائدة “عقلية التنمية” التي جاء بها العهد الجديد. كان البصري يمثل “المخزن التقليدي” الذي وجد نفسه غريباً في مغرب يطمح للحداثة وحقوق الإنسان.

أخنوش: تكنوقراطية المال وأزمة الثقة

على النقيض تماماً، صعد عزيز أخنوش من بوابة “التكنوقراطية المالية”. هو رجل الأرقام، المخططات القطاعية (المخطط الأخضر)، والتحالف بين السلطة والثروة. إذا كان البصري قد ضبط المغاربة بـ “الهيبة”، فإن أخنوش حاول استقطابهم بـ “الفعالية الاقتصادية”. لكن المفارقة تكمن هنا: القوة التي يستمدها أخنوش من نجاحه في عالم الأعمال هي نفسها “نقطة ضعفه” في عالم السياسة، حيث اصطدمت طموحاته بموجة غلاء غير مسبوقة واتهامات بتضارب المصالح، مما جعل صورته كـ “منقذ اقتصادي” تهتز تحت مطارق الواقع الاجتماعي.

بين الرجلين فوارق جوهرية، لكن تجمعهما خيوط رفيعة:

1. الانتهاء الوظيفي: كلاهما استُخدم لتدبير مرحلة محددة. البصري لـ “تثبيت الأركان”، وأخنوش لـ “تحديث الاقتصاد”. وعندما تصبح “الكلفة السياسية” لبقائهما أكبر من “الربح”، تبدأ ملامح النهاية.

2. نوع الضغط: البصري أُزيح بقرار “فوقي” حاسم لفتح صفحة ديمقراطية. أما الضغط على أخنوش فهو “أفقي” قادم من الشارع والشبكات الاجتماعية، مما يضع الدولة أمام ضرورة “إعادة التوازن” بين الليبرالية والعدالة الاجتماعية.

3. الرمزية: رحيل البصري كان يعني أن المغرب لم يعد يحتاج إلى “شرطي غليظ”، ورحيل أو تراجع أخنوش قد يعني أن المغرب أدرك أن “رجل الأعمال” ليس بالضرورة هو “رجل الدولة” القادر على تدبير نبض الشارع.

والمقارنة بين إقالة “الحارس  (البصري) و تنحي “مهندس الثروة” (أخنوش) تؤكد حقيقة واحدة: في المغرب، الأشخاص هم “وسائل” لتنزيل رؤى استراتيجية كبرى. وكما طوى المغرب صفحة “أم الوزارات” ليدخل عهد الحداثة، يبدو أنه اليوم بصدد البحث عن “نموذج جديد” يتجاوز تكنوقراطية الأرقام ليعود إلى رحابة السياسة بمفهومها الاجتماعي.

الخلاصة هي أن القوة في المغرب ليست في “المنصب”، بل في مدى ملاءمة هذا المنصب لتحديات اللحظة التاريخية.

بقلم: أبو محمد أمين

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads