يستحق الانسان أينما كان وفي كل الظروف حقوقا اقتصادية وإجتماعية وثقافية، وأخرى سياسية ومدنية، تستند إلى معايير قانونية محددة، ومن أبرز تلك الحقوق الاساسية نجد الحق في الشغل، الذي كفلته مجمل المعاهدات والمواثيق الدولية وأحكام الدساتير والقوانين الوطنية.
وهكذا فقد نصت الفقرة الاولى من المادة 23 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان على أنه لكل شخص الحق في العمل الذي له حرية اختياره بشروط عادلة ومرضية كما له الحق في الحماية من البطالة. ولم يخرج العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عن هذا المنوال إذ أقرت المادة 6 حق كل شخص في أن تتاح له امكانية كسب رزقه بعمل يختاره أو يقبله بحريه وتكون الدولة في هذا الاطار ملزمة بإتخاذ تدابير مناسبة لصون هذا الحق، وفي ارتباط بحرية اختيار العمل المناسب نجد أن المادة 21/2 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان أعطت لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العمومية في البلاد.
واستجابة منه للمقتضيات أعلاه جاء في ديباجة الدستور المغربي أن الاتفاقيات الدولية وكما صادق عليها المغرب تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية، كما أقر المشرع الدستوري من خلال المادت 31 من الدستور المغربي على إلتزام الدول بتعبئة كل الوسائل المتاحة لتوفير العمل للمواطنين، بالاضافة إلى تيسير ولوجهم إلى الوظائف العامة.
ويأتي نزول المجموعة للإحتجاج في شوارع الرباط ارتباطا بباقي المجموعات التي كانت موجودة هناك منذ العقد الاخير من الالفية السابقة والتي ثم ادماجها في أسلاك الوظيفة العمومية وكان آخرها إدماج 4304 إطار، وكذلك التوقيع على محضر 20 يوليوز بين الحكومة السابقة ومجموعات الاطر العليا المعطلة، والتي تعتبر المجموعة جزءا لايتجزأ منها، الأمر الذي يبقي حقنا في الاحتجاج مشروعا لايسقط إلا بتفعيل المرسوم الوزاري رقم 02-11-100.
ولتوضيح ذلك نرى أن نعرض للمسار النضالي للمجموعة المليئ بكل صور الحيف والمعاناة والتضحيات قبل الحديث عن المطالب الملحة التي تحكم نضالاتنا في هذة المرحلة العصيبة.
فعلى إثر المحطات النضالية الوازنة التي خاضتها مجموعات وتنسيقيات الأطر العليا المعطلة، و التي انطلقت منذ شهر فبراير من سنة 2011 لتتوج باقتحام مقر حزب الاستقلال و خوض اعتصام بداخله لمدة أسبوع، تم التوقيع على محضر 20 يوليوز 2011، القاضي بالتزام الحكومة السابقة بإدماج مجموع أطر هذه التنسيقيات في أسلاك الوظيفة العمومية برسم السنة المالية 2012. و ذلك تنفيذا لمقتضيات المرسوم الوزاري 100-11-02 الصادر بتاريخ 08 أبريل 2011، و الذي يحدد بصفة استثنائية و انتقالية اعتماد الإدماج المباشر بدل إجراء المباراة بالنسبة لدرجات الترتيب الاستدلالي المطابق لسلم الأجور 11.
إلا أنه و تماشيا مع السياسة الإقصائية و الحلول الترقيعية التي اعتادت الحكومة السابقة على نهجها في تعاطيها مع ملف تشغيل الأطر العليا المعطلة، و على عكس ما تم الترويج له في المنابر الإعلامية، فقد تم بموجب المحضر السالف الذكر استبعاد الأطر الحاصلة على شواهد الماستر برسم سنة 2011.
و عليه فقد اعتبرت أطر 2011 المقصية من المحضر أن هذا الإقصاء الممنهج معيبا و غير مؤسس من الناحية القانونية، وذلك لاعتبارات متعددة من بينها:
كون أسماء الأطر الحاصلة على شواهد الماستر برسم سنة 2011 تندرج ضمن اللوائح الخاصة بالمجموعات المنظوية تحت لواء التنسيقيات الأربع المؤشر عليها من طرف الجهات المعنية بتدبير ملف تشغيل الأطر العليا المعطلة وهي: وزارة الداخلية، وزارة تحديث القطاعات العامة و الوزارة الأولى؛
النطاق الزمني لسريان مفعول المرسوم يمتد من فاتح يناير2011 إلى غاية 31 دجنبر من نفس السنة، مما يجعل الأطر العليا المعطلة الحاصلة على شواهدها برسم 2011 مستحقة بقوة القانون للإدماج المباشر في أسلاك الوظيفة العمومية.
عدم اعتماد معيار سنة الحصول على الشهادة ضمن عملية الإدماج المباشر التي شملت 4304 إطارا عاليا معطلا من ضمنهم الأطر الحاملة لشواهدها برسم سنة 2011.
و بناء على ذلك فقد تشكلت مجموعة خاصة بالأطر العليا المقصية من محضر 20 يوليوز والتي اعتبرت كل هذه الاعتبارات السالفة الذكر خرقا سافرا لمبدإ المساواة أمام القانون و دافعا للرفع من وتيرة احتجاجاتها. وبالتالي فقد قررت المجموعة خوض سلسلة نضالات تصعيدية كان أهمها الإعلان عن “محرقة المقصي” منذ حوالي ثلاثة أشهر مضت، إلا أن الجهات المسؤولة لم تغير من طريقة تعاطيها مع المطالب العادلة و المشروعة لهذه الأطر.
و تجدر الإشارة إلى أن مجموعة الأطر العليا المعطلة المقصية قد دخلت في سلسلة من الحوارات الماراطونية مع المسؤولين عن تدبير الملف، وهي حوارات لم تخرج عن سياق المقاربة الأمنية التي حاول المسؤولون من خلالها امتصاص غضب أطر المجموعة دون أن تكون لديهم الإرادة الحقيقية لإيجاد حل ينصف أطر المجموعة، ليكون التصعيد في الأشكال النضالية هو الخيار الوحيد لتحقيق مطالبنا ذات الطابع الاجتماعي المحض.
و عليه فقد قررت الأطر المقصية خوض اعتصام داخل مقر ملحقة وزارة التربية الوطنية بحي الليمون بالرباط ردا على التوظيفات التي أقدمت عليها الوزارة و التي شملت توظيف 166 إطارا من بينهم أطرا حاملة لشواهد الماستر برسم سنة 2011.
و الجدير بالذكر أن رئيس الحكومة السيد عبد الإله بنكيران قد قام بزيارة لمقر الملحقة مباشرة بعد بداية الاعتصام مرفوقا بوزير التربية الوطنية السيد محمد الوفا، ووزير الدولة السيد عبد الله باها، بالإضافة إلى السيد محمد ركراكة العامل الملحق بولاية الرباط سلا زمور زعير المسؤول عن ملف المعطلين. هذه الزيارة التي لم تسفر عن أي نتيجة إيجابية عدا مطالبة الأطر المقصية بإخلاء المقر في الحين و انتظار المصادقة البرلمانية على البرنامج الحكومي للدخول بعد ذلك في حوار، إلا أن الأطر العليا المعتصمة قررت بالإجماع الاستمرار في اعتصامها – وان كانت تقدر قيمة زيارة السيد رئيس لحكومة ومرافقيه – مستندة في ذلك على المبررات التالية:
عدم مراعاة شرط مصادقة البرلمان على البرنامج الحكومي لتوظيف 166 إطارا معطلا بوزارة التربية الوطنية؛
عدم التزام المسؤولين في الحكومة السابقة بالوعود التي قدموها للأطر المقصية منذ توقيع محضر 20 يوليوز 2011 ، فقدان الثقة في مثل هذه الوعود؛
أن مطالبنا تتجلى في تنفيذ مقتضيات المرسوم الوزاري 100-11-02 السالف الذكر، و ليست الدخول في سلسلة من الحوارات المراطونية الغير الجادة من جديد.
ومباشرة بعد مغادرة رئيس الحكومة ومرافقيه تم فرض طوق أمني على مقر الملحقة، رافقته تضييقات على المعتصمين حالت دون تمكينهم من الضروريات الملحة للحياة خاصة المأكل و المشرب و الأدوية للمرضى المتواجدين داخل المعتصم، مما تسبب للعديد من المعطلين في كثير من الحالات الصحية الجد مزرية وصلت في بعض الأحيان إلى تقيؤ الدم و كذا إغماءات متكررة إضافة إلى توعكات صحية لبعض أصحاب الأمراض المزمنة. كما تم قطع الماء على المعتصم قبل أن يتم التراجع عن هذه الخطوة بعد الضجة الإعلامية التي أثيرت حولها.
وفي ظل هذه التضييقات التي بلغت ذروتها في الأيام الأخيرة فقد شهد الوضع الإنساني تدهورا كبيرا داخل المعتصم، لم تجد معه الأطر المعتصمة بدا من الدخول في أشكال نضالية تصعيدية، وفي هذا الإطار قام ثلاثة أطر في اليوم الرابع عشر من الإعتصام بصب البنزين على أجسادهم في محاولة منهم للوصول إلى ما جلب إليهم من مواد غذائية و أدوية و غيرها عجز المتضامنون من المجموعات الأخرى للأطر العليا المعطلة ومجموعات المجازين عن إيصالها إليهم بسبب فرض القوات العمومية لطوق أمني على المعتصمين و منع أي كان من الوصول إليهم. وبالتالي فالأمر لم يكن يتعدى كونه تهديدا.
إلا أن التدخل الأمني في حق الأطر المهددّة بإحراق ذواتها اخرج الوضع عما كان مخططا له، فكما يتبين في الشريط الذي يصور الحادث بكل تفاصيله، قامت عناصر من قوات الأمن بالهجوم على الإطار الشهيد عبد الوهاب زيدون و هو يهم بأخد المواد الغذائية و الأدوية التي وضعت بالقرب من مبنى ملحقة وزارة التربية الوطنية، و فجأة اشتعلت النار بجسد الإطار محمود الهواس وهنا هرع الإطار الشهيد عبد الوهاب زيدون إلى إنقاذ رفيقه و ذلك لما كان يتميز به الشهيد من تفان في خدمة زملائه و تقديم يد العون و إسعافهم في جميع مراحل نضالاتهم، ناسيا أنه قد صب بدوره البنزين على جسده فإشتعلت النار فيه هو الآخر.
و بناء على كل ما سبق فإن مجموعة الأطر العليا المقصية من محضر 20 يوليوز تعلن للرأي العام ما يلي:
تحميلها المسؤولية الكاملة للدولة عما وقع من إقصاء وحرق وعما سيقع مستقبلا.
مطالبتها إنصاف عائلة شهيد الاطر العليا المعطلة عبد الوهاب زيدون.
مطالبتها الدولة تحمل مسؤولية علاج الإطار المناضل محمود الهواس الذين أصيب بحروق من الدرجة الثالثة نقل على إثرها إلى مستشفى ابن رشد بالدار البيضاء.
ضرورة فتح تحقيق جدي وشفاف حول ملابسات القضية تشرف عليه هيئات نزيهة.
تشبثها بتطبيق مقتضيات المرسوم الوزاري رقم 100-11-02 كسند قانوني للإدماج في الوظيفة العمومية.
فتح تحقيق حول التوظيفات المشبوهة و التي همّت 166 إطارا معطلا بوزارة التربية الوطنية، ومحاسبة كل المتورطين في هذه العملية.
استمرارها في معركتها النضالية داخل معتصم الحرية الكرامة بمقر ملحقة وزارة التربية الوطنية بحي الليمون بالرباط إلى حين تحقيق مطالبها.
تأكيدها على الطابع الاجتماعي لمطالبها، وسلمية أشكالها النضالية.
معاريف بريس
www.maarifpress.com